عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟»، قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (رواه البخاري ومسلم).
وجه الاستدلال: أنه حذّر من الدخول على النساء باسم فعل الأمر (إيَّاك)، والمعنى احفظوا أنفسكم واتقوا الدخول على النساء، فهو أمرٌ باتِّقَاء الدخول على النساء والأمر يفيد الوجوب، ونهي عن الدخول عليهن؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والنهي يفيد التحريم.
وقوله: (إِيَّاكُمْ) يعُم المخاطبين بضمير الجمع، وقوله: (الدُّخُولَ) يفيد العموم فيشمل دخول الخلوة وغيرها، والقاعدة الاستدلالية: أن الألف واللام إذا دخلت على اسم مفرد أفادت العموم فلا يصح حمله على صورة الخلوة دون غيرها إلا بدليل يقوى على تخصيص العموم، فلا يصح حمل ضمير الجمع الدال على عموم المخاطبين، ولفظ (الدُّخُول) الدال على منع شتى صور الدخول، ولفظ (النِّسَاء) الدال على عموم جميع النساء؛ على صورة واحدة نادرة من أفراد هذا العموم وهي: دخول رجل واحد على امرأة واحدة، وإلغاء جميع الصور الأخرى كدخول رجل واحد على (النِّسَاء).
وفيه تأكيدٌ للعموم بالتنصيص على عدم استثناء أقارب الزوج من هذا العموم» (١).
قال الشيخ الشنقيطي - ﵀ -: «فسمى - ﵌ - دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير
_________________
(١) بتصرف من الاختلاط بين الجنسين في ضوء الكتاب والسنّة من خلال أصول الفقه ومقاصد الشريعة مع أقوال علماء المذاهب الإسلامية المختلفة، إعداد/عامر بن محمد فداء بهجت، المحاضر بالمعهد العالي للأئمة والخطباء - جامعة طيبة - المدينة النبوية.
[ ١ / ٩٦ ]
مَحْرَم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، وهذا دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣) عام في جميع النساء؛ إذ لو كان حكمه خاصًا بأزواجه - ﵌ - لَمَا حذر الرجالَ هذا التحذير البالغ العام من الدخول على النساء.
وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديدًا بانفراده كما قدّمنا أن مسلمًا - ﵀ - أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فدلّ على أن كليهما حرام» (١).
وقال أيضًا: «فتأملوا قوله - ﵌ - في دخول قريب الزوج على زوجته «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»؛ لتدركوا أن اختلاط الرجال الأجانب بالنساء الأجنبيات أنه هو الموت» (٢).
وقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري): « وَتَقْدِير الْكَلَام اِتَّقُوا أَنْفُسكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاء وَالنِّسَاء أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ ، وَتَضَمَّنَ مَنْعَ الدُّخُول مَنْع الْخَلْوَة بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى» (٣).
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ: «الْمُرَاد فِي الْحَدِيث أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، لِأَنَّهُمْ مَحَارِم لِلزَّوْجَةِ يَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ».قَالَ: «وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ وَابْن الْأَخ وَالْعَمّ وَابْن الْعَمّ وَابْن الْأُخْت وَنَحْوهمْ مِمَّا يَحِلّ لَهَا تَزْوِيجه لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَة، وَجَرَتْ الْعَادَة بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ فَيَخْلُو الْأَخ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَوْلَى
_________________
(١) أضواء البيان (٦/ ٥٩٢ - ٥٩٣)، عن عودة الحجاب (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
(٢) محاضرات الشيخ الأمين (ص١٦٢).
(٣) فتح الباري (٩/ ٤٠٠ - ٤٠١).
[ ١ / ٩٧ ]
بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ» (١).
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي (الْمُفْهِم) (٢): «الْمَعْنَى أَنَّ دُخُول قَرِيب الزَّوْج عَلَى اِمْرَأَة الزَّوْج يُشْبِه الْمَوْت فِي الِاسْتِقْبَاح وَالْمَفْسَدَة، أَيْ فَهُوَ مُحَرَّم مَعْلُوم التَّحْرِيم، وَإِنَّمَا بَالَغَ فِي الزَّجْر عَنْهُ وَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ لِتَسَامُحِ النَّاس بِهِ مِنْ جِهَة الزَّوْج وَالزَّوْجَة لِإِلْفِهِمْ بِذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ الْمَرْأَة فَخَرَّجَ هَذَا مَخْرَج قَوْل الْعَرَب: الْأَسَد الْمَوْت، وَالْحَرْب الْمَوْت، أَيْ لِقَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْمَوْت، وَكَذَلِكَ دُخُوله عَلَى الْمَرْأَة قَدْ يُفْضِي إِلَى مَوْت الدِّين أَوْ إِلَى مَوْتهَا بِطَلَاقِهَا عِنْد غَيْرَة الزَّوْج أَوْ إِلَى الرَّجْم إِنْ وَقَعَتْ الْفَاحِشَة».