ياسر برهامي
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله - ﵌ -، أما بعد:
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ (آل عمران: ١٤).
وقال - ﵌ -: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِى النِّسَاءِ» (رواه مسلم).
فالشهو الجنسية من أقوى الشهوات في الإنسان، بل عدّها بعض الملاحدة المحرك الأساسي في الإنسان، وهذا من ضلالهم وانحرافهم وتفكيرهم البهيمي الذي يريدون دَفْعَ العالم كله إليه، ولكن لا شك في قوة هذه الغريزة، ولا شك في طغيانها عند كثير من بني الإنسان حتى صارت عندهم أكبر الهم ومبلغ العلم.
ولقد ظلت المجتمعات المسلمة - حينًا من الدهر - أبعد المجتمعات عن سيطرة هذه الشهوة وطغيانها، وبقيتْ أمة الإسلام أكثر الأمم محافَظةً على العفة والطهارة؛ مما نقمه الأعداء عليهم؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا
[ ١ / ٩ ]
أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ (المائدة: ٥٩)؛ فأكثر اليهود والنصارى خارجون عن شرائعهم التي يزعمون انتسابهم إليها، وهم الذين ينشرون الانحلال في العالم، ويحسدون أهل الإسلام على ما آتاهم الله من فضله من العفة والنقاء والمحافظة على الأعراض والأنساب.
ودفَعهم هذا الحسد إلى محاولة إغواء الأمة الإسلامية وجرِّها نحو باطلهم وسفولهم وانحطاطهم؛ فما أن احتلت جيوشهم أكثر بلاد المسلمين حتى شرعوا في زعزعة وضع المرأة في المجتمع، ووضعوا الخطط لتغيير حدود علاقة الرجل بالمرأة كما بيَّنها شرع الله - ﷿ - ليستبدل الناسُ الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وكانت أولى الخطوات في هذه الخطط الشيطانية والمكائد الإبليسية هي التبرج ووضع الثياب وكشف العورات ونشر الاختلاط المنكر المؤدّي إلى وقوع الفواحش مُتَّبعين خطة إبليس القديمة الجديدة التي بيَّنها الله - ﷿ - لنا وحذرنا من شرها فقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ (الأعراف: ٢٧).
ولقد كان الاختلاط المحرم - ولا يزال - من أخطر وسائل الحرب الحضارية والغزو الفكري الذي يمارسه الغرب ضد أهل الإسلام؛ فمحاربة هذا الاختلاط واجب دفاعي على أهل الإسلام للحفاظ على حصونهم الحقيقية؛ فإن القوة العسكرية سرعان ما تتبدل إذا بقي منهج المجتمع وشريعته حيًّا في قلوب أبنائه ولم يصبح أفراد الأمة أبناءَ الأعداء، منّا يتكلمون بلساننا وهم من جِلْدَتنا وقلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس.
ولقد سطر أخونا شحاتة صقر - حفظه الله - هذا البحث في مضارّ الاختلاط المحرم، وحيثما ذُكِر الاختلاط في البحث فهو المعهود المعروف في مثل مجتمعنا المصري في جامعاته
[ ١ / ١٠ ]
ومدارسه وأعماله ووظائفه الذي يتضمن أنواع المنكرات من النظر المحرم والكلام المحرم والسماع المحرم واللمس المحرم فضلًا عما سوى ذلك من الفواحش، وضمَّنَه جملة من الأدلة وفتاوى العلماء للتحذير من هذا المرض الخبيث.
وإن كان لابد لنا أن ننبه أن بعض هذه الفتاوى - مثل الفتاوى الآمرة بهجران المعاهد والجامعات والمدارس المختلطة وكذا الأعمال التي فيه اختلاط - قد سِيقت من قِبَل العلماء الأفاضل في بعض الظروف لمحاولة سد ذريعة الفساد المنتشر ومنعه، وقد تكون في بعض البلدان وبعض الظروف لم تذكر المفاسد التي قد تترتب على غياب العنصر الإسلامي الملتزم عن هذه المعاهد والمدارس والجامعات والوظائف، وهو في الحقيقة غاية أمنية الأعداء من الكفار والمنافقين الذين يسعون إلى «حوصلة» الصحوة الإسلامية ومحاولة تحجيمها ومنع تاثيرها في المجتمع؛ فلابد أن تراعَى ظروف مجتمعات أخرى وأحوال أخرى وتراعَى فيها قدر المصالح والمفاسد في تطبيق هذه الفتاوى، والأصل اتباع الدليل والاستدلال به، وكلام أهل العلم يُستدل له، ولا يُستدل به.
وقد تبقى بعض الأمور التي رجَّحها أخونا الفاضل/شحاتة صقر من أمور الاجتهاد السائغ التي يسعنا فيها الخلاف، كما وسع سلفنا الصالح - قد نرى ما يخالفها - لأن لكلٍّ وجهة نظره المعتبرة، وتبقى جملة البحث تسير في نهج واحد وسياق واحد نحو العفة والطهارة والنقاء على سبيل التزكية التي أمر الله - ﷿ - بها: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (النور: ٣٠).
أسألُ الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره وان يجعلنا جميعًا من عباده الصالحين وأن يُلحقنا بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
كتبه
ياسر برهامي
[ ١ / ١١ ]
تقديم فضيلة