محمد يسري إبراهيم
الحمد لله رب العالمين، أحمده ﷾ على عظيم إنعامه، وتمام إحسانه، وأسأله - جل وعلا - المزيد من فضله وامتنانه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأنصاره.
ثم أما بعد:
فليس بنا أن نقول في هذه العجالة: إن الاختلاط منه مباح ومنه محرم؛ ذلك أن المباح منه موضع اتفاق، والمحرم منه هو ما يتنزل عليه كلام العلماء، وإنكار الفضلاء.
وليس نا أن نخاطب في هذه الأسطر من كفر بمرجعية الشريعة فاستدبرها، ومن لا يرى للشرع المطهر حاكمية فاتخذه ظهريًا، فلو أن هذا وأشباهه جيء اليه بملء الأرض حججًا لقالوا: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣].
وبحسبنا أن نقول: إن الاختلاط المحرم مرفوض فطريًا، فاشل تربويًا، منبوذ تاريخيًا، ساقط حضاريًا، ومحرم ومجرم شرعيًا.
أما أنه مرفوض فطريًا فلأن الله تعالى ركَّب في المرأة أخلاقًا، ومنحها خلقة، وهيأها لعمل لا يصلح للرجال، كما لا يصلح عمل الرجال لها.
ولما نذرت أم مريم ما في بطنها لعمارة بيت الله اعتذرت حين وضعتها أنثى؛ لأن هذا عمل الرجال، فأبطل الله نذرها (١).
_________________
(١) ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٣٧)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ٣٣٤).
[ ١ / ١٤ ]
وبالمرأة فطرة - ما دامت نقية فإنها - تأنف هذه الخلطة المذمومة، وتأبى هذا الامتزاج الممنوع، ولأجل هذا امتنعت المرأتين - من قديم - عن السقيا حتى يصدر الرعاء، قال تعالى:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣].
وأما أنه فاشل تربويا فلأن دعاته في التعليم والتربية قد جنوا ثمرات نكدة تمثلت بفوضى جنسية امتدت من الجامعات، ولعل الإحصائيات المرعبة تترجم عن حال الأسرة في الغرب وما آلت اليه من تفكك، وتنعي الفضيلة التي تحولت في تلك الأمم الى شذوذ أو استثناء.
وأما أنه منبوذ تاريخيا ساقط حضاريا فلأن المطالع لوضع المرأة عند البابليين أو الكلدانيين يرى أنها كانت في حجاب وابتعاد عن الاختلاط، وذلك قبل الميلاد بألفي عام، كما عرف الهنود خلال القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد حظر الاختلاط فلا يتصل الرجال بالنساء إلا وفق ضوابط، ومن خلال قنوات محددة.
وكان الفرس القدماء يفرضون الحجاب على النساء، ولا يسمح لهن بالاختلاط بالرجال.
وكان من عادة نساء اليونان حجب وجوههن بطرف مآزرهن، أو بحجاب مصنوع من حرير، وكن في بعض المدن اليونانية - كأثينا - يحتجبن بغطاء يوضع على الوجه له ثقبان أمام العينين؛ لتنظر منهما المرأة.
وكذا كان الحال عند الرومان، فلما عرف اليونان والرومان حياة الشهوات، وغلب عليهم الترف والفساد فشا الاختلاط فتبرجت النساء وانتشرت الفحشاء، وآل الأمر إلى سقوط حضارتهم إلى غير رجعة (١).
_________________
(١) الأسرة تحت رعاية الإسلام، للشيخ عطية صقر، ط١، ١٤٠٠ هـ، مؤسسة الصحاح الكويت، (ص ٢٧ - ٣٤).
[ ١ / ١٥ ]
وأما أن الاختلاط مجرم ومحرم شرعيا، فلنصوص كثيرة من القرآن العظيم، والسنة الصحيحة، والإجماع المنعقد المقبول، فضلا عن دلالة المعقول.
وتفصيل هذه الأدلة والرد على شبهات المخالفين، وتمحلات المتأولين ومماحكات المترخصين محلها هذا الكتاب، الذي أحسن الظن بكاتبه، الذي لم أر جثمانه، وإنما نظرت فيما خط بنانه، فألفيته قد جمع من الأدلة فأوعى، ورد على المخالف فما أبقى.
وقد نقل صاحب الكتاب فتاوى كثيرة، وعرض لمسائل عديدة، وكم تمنيت أن أجد وقتا لأقرأ فاستفيد جديدا، أو أهدي إليه مفيدا، إلا أن شيئا من ذلك لم يكن، فاكتفيت بنظرة عجلى، مرجئا ما عساه قد يبدو لي إلى قراءة أخرى، والله تعالى المسئول أن ينفع بالكتاب وكاتبه، وألا يحرم من قرأه أو نشره أجرا وخيرا، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
والحمد لله رب العالمين
وكتبه
محمد يسري إبراهيم
القاهرة ليلة العاشر من شعبان عام ألف وأربعمائة وواحد وثلاثين من الهجرة
[ ١ / ١٦ ]