بعض دعاة الاختلاط صار يعترض على تمييز أهل العلم بين الاختلاط العارض العابر الذي يكون في زمن يسير، وبين اختلاط المكث الذي يكون في زمن كثير أو دوري يتكرر،
_________________
(١) انظر: أقيسة الاختلاطيين لإبراهيم السكران (ص ١٣ - ١٦).
[ ١ / ٨٢ ]
وصار يقول: لاضابط في التفريق بين اليسير والكثير إلا التحكم والنسبية الشديدة!
وهذا الاعتراض لا يقوله غالبًا إلا من يريد التشغيب على مسألة واحدة وهو يهدم أصلًا كاملًا! فالتفريق بين اليسير والكثير تحيله الشريعة غالبًا إلى عرف الناس، كما قال الإمام ابن قدامة: «والمرجع في اليسير والكثير إلى العرف» (١).
ولو أبطلنا التفريق بين اليسير والكثير لعدم تعيين الشارع مقدارًا فارقًا لأبطلنا أحكامًا شرعية كثيرة بناها الشارع على ذلك، كما أجاز الشارع لبث الجنب زمنًا يسيرًا في المسجد فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (النساء:٤٣) فهل نَرُدّ هذه الآية ونبطل دلالتها لأنه لا ضابط حاسم في (عبور السبيل)؛ إذ الناس يختلفون في زمن عبور السبيل؟!
فمن يُسْقِط التمييز بين الاختلاط العارض واختلاط المكث بحجة عدم وجود حد حاسم بين اليسير والكثير فقد يظن أنه سيلغي مسألة الاختلاط لكنه في الحقيقة هدم أصلًا شرعيًا عظيمًا.
والمراد أن هذا (القياس الفاسد) إذا تأمله المرء فلابد أن يتذكر الأقيسة الفاسدة التي أشار إليها القرآن، وكيف تسببت في ضلال كثير من الناس، فمن ذلك قياس الربويين حين قاسو الربا على البيع، وأنه لا فرق بينهما كما حكى الله استنباطهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)؛ فالبيع والربا كلاهما مبادلة رضائية بين طرفين، وكما ينتفع أحدهما بالمال فإن الآخر ينتفع بالفائدة، فقد يتوهم
_________________
(١) المغني (١/ ٣٥١).
[ ١ / ٨٣ ]
بعض الناس أن هذا من العدل، وأن حرمان المقرِض من الفائدة لقاء تنازله عن المال للمقترض زمنًا معينًا ظلمًا، ومع ذلك فلم يقل الله هذا قياس اجتهادي له وجه فلا بأس به، بل أكذبهم الله سبحانه بنفسه وحذرهم بلغة مخيفة فقال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ (البقرة: ٢٧٥).
بل إن توهم العدل في الربا أظهر من توهم قياس اختلاط المكث - الذي يؤدي غالبًا إلى نظر محرم وكلام محرم - على الاختلاط العابر الذي يكون في الطرقات والمطاف، بل كيف يكون قياس الربا الذي فيه معاوضة بين التنازل عن المال لقاء فائدة يسيرة، أشنع من قياس اختلاط المجالسة الذي يؤدي إلى الفجور والفواحش على اختلاط عابر عارض؟! فانظر كيف توعد الله الربويين في قياسهم، واعتبر هذا بقياس دعاة الاختلاط.
فتأمل كم نفع فقهَ الشريعةِ القياسُ الصحيح المزكى بنور الوحي، وكم ضلت أمم بسبب القياس الفاسد.