حين نتدبر صور الاختلاط في عهد النبوة التي من جنس واحد يتبين لنا فعلًا كيف ميّز النبي - ﵌ - في أحكامها طبقًا لعامل الزمن، أو بشكل أدق طبقًا لقوة الإفضاء إلى الفتنة، قارن مثلًا بين (الصلاة والطواف) ففي الطواف لأنه يأخذ زمنًا يسيرًا عابرًا رخص لهم النبي - ﵌ - في الطواف في وقت واحد مع كون النساء حَجْرَة، أو من وراء الرجال، أو متنكرات في الليل فإذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن وأخرج الرجال.
ففي صحيح البخاري أن ابن جريج قال لعطاء: «كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟»، قال: «لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - تَطُوفُ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: «انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ».قَالَتْ «انْطَلِقِي عَنْكِ»، وَأَبَتْ» (٢).
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أَنِّي أَشْتَكِي (٣)، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﵌ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ (الطور: ١ - ٢). (رواه البخاري ومسلم).
ولكن في (الصلاة) - لأنها تأخذ زمنًا دوريًا متكررًا، وليست أمرًا عابرًا - فإن النبي - ﵌ - لم يرخص لهم في الاختلاط، بل وضع للرجال مصلى، وللنساء مصلى مستقل عنهم، وكان ينتظر هو وأصحابه حتى ينصرف النساء؛ فعن الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي
_________________
(١) انظر: أقيسة الاختلاطيين لإبراهيم السكران (ص ٩ - ١٣).
(٢) (حَجْرَة) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا رَاءٍ، أَيْ نَاحِيَة، قَالَ الْقَزَّاز: هُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ: نَزَلَ فُلَان حَجْرَة مِنْ النَّاس أَيْ مُعْتَزِلًا. (اِنْطَلِقِي عَنْك) أَيْ عَنْ جِهَةِ نَفْسك (فتح الباري ٣/ ٤٨٠).
(٣) (أَنِّي أَشْتَكِي) أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ ضَعِيفَة لَا تَقْدِر عَلَى الطَّوَاف مَاشِيَة.
[ ١ / ٨٠ ]
تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «فَأُرَى وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ» (رواه البخاري).
ولم يكتف بذلك، بل جعل رسول الله - ﵌ - «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم).
«وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»؛ لأنها أقرب إلى الرجال، برغم أن المصليات مستقلة!
فمن تأمل تصرف النبي - ﵌ - في التفريق والتمييز بين (اختلاط المطاف واختلاط المصلى) وكيف تسامح في أحدهما وتحفظ في الآخر، علم علمًا قطعيًا أن النبي - ﵌ - قاصد إلى التمييز بين هذه الصور، وعدم وضعها موضعًا واحدًا، وبالتالي فالاختلاط الذي يأخذ زمنًا دوريًا متكررًا لايجوز أن يقاس على الاختلاط العابر الذي يأخذ زمنًا يسيرًا عارضًا.
ومن صور الاختلاط التي ميز النبي - ﵌ - بينها (الفتيا ومجلس العلم)، ففي الفتيا - لأنها مسألة واحدة في زمن يسير عابر - كانت المرأة تأتي وتسأل النبي - ﵌ - حتى لو كان حوله رجال، لأنه اختلاط عارض في زمن يسير عابر، ومن ذلك أن تميمة بنت وهب امرأة رفاعة القرظي جاءت تستفتي النبي - ﵌ - في أمر طلاقها وفي المجلس أصحاب النبي - ﵌ - كأبي بكر وخالد بن سعيد بن العاص، والقصة بتفصيلها رواها البخاري ومسلم.
ولكن في مجلس العلم - بسبب أنه اختلاط مُكْث ومجالسة ويأخذ زمنًا يحصل به رفع الكلفة وإلف كل من الطرفين للآخر - فإن النبي - ﵌ - لم يأذن للنساء أن يختلطن بالرجال، بل فصل بينهم، ووضع لكل منهم مجلسًا مستقلًا، كما في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ - ﵌ -: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ؛ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ»، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ» (رواه البخاري).
[ ١ / ٨١ ]
فقول النساء للنبي - ﵌ -: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ؛ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ»، دليل ظاهر في كون النبي - ﵌ - لم يرخص للنساء أن يأتين ويختلطن بالرجال في مجالس العلم التي يعقدها النبي - ﵌ - لأصحابه، وقول أبي سعيد الخدري: «فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ»، دليل آخر على تخصيص النبي - ﵌ - لهن مجلسَ علمٍ مستقلًا عن الرجال.
فإذا تأمل الباحث الصادق تفريق النبي - ﵌ - بين (اختلاط الفتيا، واختلاط مجلس العلم) وكيف تسامح في أحدهما ولم يتسامح في الآخر، عَلِمَ علمًا قطعيًا أن النبي - ﵌ - لم يجعل الاختلاط العارض كاختلاط المكث والمجالسة.
والمراد أن (الطواف والصلاة) شريعتان من جنس واحد، فقد قال - ﵌ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلاَمِ» (رواه النسائي وصححه الألباني)، ومع ذلك فإن النبي - ﵌ - فرق في حكم الاختلاط بينهما.
و(الفتيا ومجلس العلم) شريعتان من جنس واحد، فما مجلس العلم إلا مجموع فتاوى، ومع ذلك فرق النبي في أحكام الاختلاط بينهما.
فمَن تأمَّلَ تمييز النبي في الاختلاط في هذه الصور استبان له مراد الشارع، وعدم وضع هذه الصور موضعًا واحدًا، وبالتالي بطلان قياس دعاة الاختلاط في قياسهم اختلاط المكث على الاختلاط العارض، وإهدارهم مراعاة الزمن وقوة الإفضاء إلى الفتنة.