لم تمنع ملازمة الشوكاني أساتذته، وتردده على حلقاتهم الدراسية، أن يقوم بعد انتهاء دروسهم، بعقد حلقات دراسية أخرى، يكون فيها هو المدرِّس، فيلقي أثناءها أنواعًا من العلوم والمعارف، فيكون في اليوم ذاته، متعلمًا ومعلِّما، وربما درَّس بعض الكتب، وشرحها لتلاميذه، قبل أن يكمل هو قراءة ذلك الكتاب، وإكمال مادته العلمية على أستاذه.
يقول الشوكاني في ترجمة شيخه (إسماعيل بن الحسن) ١:
فقرأت عليه (مُلحة الإعراب)، وشرحها وقد تصدَّرت للتدريس في (الملحة)، وشرحها قبل الفراغ من قراءتها عليه٢.
ويؤكد هذا بقوله - أيضا عند ترجمته لنفسه -: وكان يبلغ دروسه في اليوم والليلة، إلى نحو ثلاثة عشر درسًا، منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلامذته٣.
وهذا يدل على عبقريته، ونبوغه الفكري المبكر، حيث كانت
_________________
(١) ١ انظر ترجمته: ص ٢٨. ٢ البدر الطالع ١/ ١٤٥. ٣ المصدر السابق ٢/ ٢١٨.
[ ٣٣ ]
لديه القابلية الكاملة للتعلم والتعليم في وقت واحد، الأمر الذي جعله مقصدا لكثير من طلبة العلم، الذين توافدوا عليه في (صنعاء)؛ للإفادة من علمه الغزير، فقد كان يعقد ثلاث، عشرة حلقة دراسية لتلاميذه في اليوم والليلة، يلقي عليهم فيها مختلف المواد، خلاف ما كان يرد إليه من الفتاوى والأسئلة التي يحرر أجوبتها، وغير ما يصنفه من الكتب والرسائل الأخرى، فضلا عن عمله اليومي كقاض يفصل بين الناس في خصوماتهم.
يقول رحمه الله١: وكنت أدَرِّس الطلبة في اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسا، منها ما هو في التفسير ، ومنها ما هو في الأصول ، ومنها ما هو في المعاني والبيان، ومنها ما هو في النحو، ومنها ما هو في الفقه ، ومنها ما هو في الحديث، مع ما يعرض من تحرير الفتاوى، ويمكن من التصنيف.
إن اهتمام الشوكاني - ﵀-. بالعلم لم يكن مقتصرا على طلبه وتحصيله فقط؛ بل كان حريصا على نشره بين الطلبة، دؤوبًا على إيصاله إليهم، ولذلك كان محَطَّ رحال طلاب العلم الذين قصدوه من كل مكان، فجلسوا بين يديه، ولازموه ملازمة الظل لصاحبه، حتى ارتووا من علومه، ومن ثم أوصلوها إلى من بعدهم.
وقد أوصل بعضهم عدد تلاميذه إلى اثنين وتسعين تلميذا٢،
_________________
(١) ١ البدر الطالع ١/ ٤٦٤. ٢ الشوكاني، حياته وفكره: ٢٣٨. وما بعدها.
[ ٣٤ ]
وقد أشار الشوكاني - ﵀ - عند ترجمته لبعضهم إلى المواد التي أقرأها إياهم، والتي سمعوها منه.
وفيما يلي ذكر أبرز تلاميذه، مع ذكر شيء من المواد التي أخذوها عنه:
١- أحمد بن حسين الوزَّان، ولد سنة (١١٨٦هـ)، قرأ على الشوكاني (الصحيحين)، و(سنن أبي داود)، وكثيرا من مؤلفاته، وكان قويَّ الحفظ، جيد الفهم، مات في طريق عودته من الحج سنة (١٢٣٨هـ) ١.
٢- أحمد بن محمد بن علي بن محمد الشوكاني، وَلَده، تولى قضاء صنعاء، قرأ عليه بعض المختصرات، من مصنفاته (كشف الريبة في الزجر عن الغيبة)، مات سنة (١٢٨١هـ) ٢.
٣- حسن بن أحمد بن يوسف الرباعي، ولد سنة (١٢٥٠هـ)، تقريبا، أخذ عنه في علم التفسير، والسنَّة، والبيان، وكثير من مؤلفاته، من مصنفاته (فتح الغفار، المشتمل على أحكام سنة نبينا المختار) . مات سنة (١٢٧٦هـ) ٣.
٤- حسين بن علي بن صالح العماري، ولد سنة (١١٧٥هـ)، قرأ عليه (شرح الرضي على الكافية)، و(مغني اللبيب)، وقرأ عليه في أصول الفقه، وله نظم جيِّد، مات سنة (١٢٢٥هـ) ٤.
_________________
(١) ١ البدر الطالع ١/ ٥٣، نيل الوطر ١/ ٩٩. ٢ نيل الوطر ١/ ٢١٥، الأعلام ٠١/ ٢٤٧. ٣ البدر الطالع ١/ ١٩٤، نيل! الوطر ١/ ٣١٨، الأعلام ٢/ ١٨٣. ٤ البدر الطالع ١/ ٢٢٣، نيل الوطر ١/ ٣٨٣.
[ ٣٥ ]
٥- عبد الحق بن محمد فضل الله المحمدي الهندي، الشيخ المعمَّر، أجاز له الشوكاني مشافهة ومكاتبة، وهو الذي نشر تراث الشوكاني في الهند، مات في سفره للحج سنة (١٢٨٨هـ) ١.
٦- عبد الرحمن بن يحيى بن أحمد الآنسي، ولد سنة (١١٦٨هـ)، كتب إلى الشوكاني رسالة فيها عدة أسئلة، فأجاب عليه برسالة سماها، (طيب النشر في جواب المسائل العشر) ٢، قال عنه الشوكاني: استفاد بصافي ذهنه الوقاد، ووافي فكره النقاد علوما جمة، فهو أحد أعيان العصر، وقد تبادلا الشعر والنظم، مات سنة (١٢٥٠هـ) ٣.
٧- عبد الله بن علي بن عبد الله الجلال، ولد في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، قرأ على الشوكاني كثيرا من كتب الحديث وشروحها، وهو حادُّ الذهن، جيد الفهم، حسن الإدراك، وله شعر بديع، مات سنة (١٢٤٢هـ) ٤.
٨- عبد الله بن عيسى بن محمد الكوكباني، ولد سنة (١١٧٥هـ)، مؤرخ، أديب، قرأ عليه في الحديث، واللغة، وغيرهما، من مصنفاته (الحدائق) في التراجم. مات سنة (١٢٢٤ هـ) ٥.
_________________
(١) ١ أبجد العلوم ٣/ ١٩٣، التاج المكلل ٣٨١. ٢ البدر الطالع ٢/ ٢٢٠، هدية العارفين ١/ ٣٦٦. ٣ البدر الطالع ١/ ٣٤٠، نيل الوطر ٢/ ٤٣، الأعلام ٣/ ٣٤١. ٤ البدر الطالع ١/ ٣٨٧، نيل الوطر ٢/ ٨٦. ٥ البدر الطالع ١/ ٣٩١، هدية/ العارفين ١/ ٤٨٨، الأعلام ٤/ ١١٢.
[ ٣٦ ]
٩- عبد الوهاب بن حسين بن يحيى الديلمي، ولد سنة (١٢٠١)، قال عنه الشوكاني: سمع عليَّ أوائل كتب لا أحصي عددها، ولا أذكر أسماءها لكثرتها، وقد امتدح الشوكاني براعته في الفهم والحفظ، لكن ذبح نفسه بسكين، سنة (١٢٣٥ هـ) ١.
١٠- علي بن محمد بن علي الشوكاني، وَلَدُه، ولد سنة (١٢١٧)، قرأ على أبيه في كتب الحديث، و(شرح المنتقى)، و(فتح القدير)، وغيرهما، من مصنفاته (القول الشافي السديد في نصح المقلد وإرشاد المستفيد)، مات سنة (١٢٥٠هـ)، قبل موت أبيه بشهرين وقيل بأشهر٢.
١١- لطف الله بن أحمد جحاف، ولد سنة (١١٨٩هـ)، مؤرخ، أديب، قرأ على الشوكاني في النحو، والصرف، والمنطق، والمعاني، والبيان، والأصول، والحديث، من مصنفاته (درر نحور الحور العين) في التراجم، و(قرة العين بالرحلة إلى الحرمين)، مات سنة (١٢٤٣هـ) ٣.
١٢- محسن بن عبد الكريم بن أحمد الصنعاني، ولد سنة (١١٩١هـ)، قرأ على الشوكاني (شرح الرضى على الكافية)، و(مغني اللبيب)، و(الكشاف) وحواشيه، وكان نابغة في الشعر،
_________________
(١) ١ البدر الطالع ١/ ٤٠٦، نيل الوطر ٢/١٠١. ٢ نيل الوطر ٢/ ١٦٢،- هدية العارفين ١/ ٧٧٥، الأعلام ٥/ ١٧. ٣ البدر الطالع ٢/ ٦٠، نيل الوطر ٢/ ١٨٩، الأعلام ٥/ ٢٤٢.
[ ٣٧ ]
فنظم الباب الأول من (مغني اللبيب) ثم شرَحَه، مات سنة (١٢٦٦ هـ) ١.
١٣- محمد بن أحمد بن سعد السودي، ولد سنة (١١٧٨هـ)، قرأ عليه في (مُلحة الإعراب) وشرحها، و(الكافية) وشرحها، و(مغني اللبيب)، و(الشافية) وشرحها، و(جامع الأصول)، وغير ذلك. مات سنة (١٢٣٦هـ) ٢.
١٤- محمد بن أحمد بن محمد الشاطبي، ولد سنة (١٢١٠هـ)، قرأ عليه (صحيح البخاري)، و(الكشاف)، و(شرح الرضى)، و(السيل الجرار)، وله كتاب في الطب، وآخر في الفرائض، مات بالحديدة سنة (١٢٥٥هـ) ٣.
١٥- محمد بن حسن السماوي، ولد بعد سنة ١١٧٠هـ)، قرأ على الشوكاني في الصرف، والنحو، والمنطق، والمعاني، والبيان، والأصول، والحديث، والفقه٤.
١٦- محمد بن حسن بن علي الشجني الذماري، ولد سنة (١٢٠٠هـ)، أجازه الشوكاني إجازة عامة، وقد صنف كتاب (التقصار)، المتقدم ذكره٥، ذكر فيه حياة وسيرة
_________________
(١) ١ البدر الطالع ٢/ ٧٨، نيل الوطر ٢/ ٢٠١. ٢ البدر الطالع ٢/ ١٠٣، نيل الوطر ٢/ ٢٢١. ٣ التاج المكلل ٢٨٢، نيل الوطر ٢/ ٢٣٧، الأعلام ٦/ ١٨. ٤ البدر الطالع ٢/ ١٥٥، نيل الوطر ٢/ ٢٥٥. ٥ انظر ص ١٥.
[ ٣٨ ]
أستاذه الشوكاني، مات سنة (١٢٨٦هـ) ١.
١٧- محمد عابد بن أحمد بن علي السندي، فقيه حنفي، عالم بالحديث، قرأ على الشوكاني، واستفاد منه ولازمه، من مصنفاته (المواهب اللطيفة على مسند أبي حنيفة)، (ترتيب مسند الإمام الشافعي)، (منحة الباري بمكررات البخاري)، مات بالمدينة المنورة سنة (١٢٥٧ هـ) ٢.
١٨- محمد بن علي بن حسين العمراني، من علماء الحديث، ولد سنة (١١٩٤هـ)، قرأ عليه في التفسير، والنَّحو، والصَّرف، وغيرهما، وسمع منه أكثر مؤلفاته، من مصنفاته (عجالة ذوي الحاجة) شرح لسنن ابن ماجة، و(التعريف بما في التهذيب من قوي وضعيف)، قتله أحد القرامطة في داره بمدينة (زبيد) سنة (١٢٦٤هـ) ٣.
_________________
(١) ١ نيل الوطر ٢/ ٢٥٧، الأعلام ٦/ ٩٣. ٢ أبجد العلوم ٣/ ١٧١، هدية العارفين ٢/٣٧٠، الأعلام ٦/ ١٧٩. ٣ البدر الطالع ٢/ ٢١٠، التاج المكلل ٤٤٢، الأعلام ٦/٢٩٨.
[ ٣٩ ]