بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة والتوفيق ١ ٢
ما يقول سيِّدنا٣ وشيخنا، مجدد العصر، الحائز بعلمه الدليل كل الفخر، العالم النِّحرير٤، البدر المنير، أمدَّه الله بالتوفيق، وسلك به أوضح الطريق، في الزعفران، والجوز الهندي، ونوع من القات، هل يحرمن قياسا٥ على الحشيشة بجامع التفتير لنهي النبي - ﵌ - عن كل مسكر ومفتِّر٦؟، وهل التفتير العلة الجامعة
_________________
(١) (وبه الإعانة والتوفيق)، ليست في (ب)، (ج) . ٢ في بداية (ب) زيادة: لفظ سؤال إلى القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني، لفظه..) . ٣ ذكر العلماء أنه لا بأس بإطلاق (فلان سيِّد)، و(يا سيِّدي)، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلا خيِّرا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك. وانظر: الأذكار للنووي-٥٥٩، بدائع الفوائد لابن القيم ١/ ١٦٠- ١٦١، تيسير العزيز الحميد ٦٦٥. وللشوكاني﵀- رسالة بعنوان: (العرف النَّدي في جواز إطلاق لفظ سيِّدي)، انظر: مبحث مؤلفاته ص ٥٧، من القسم الدراسي. ٤ النحرير: الذكي الفطن. (هل يحرمن قياسًا)، أسقطت من (ج)، وفي (أ): (هل يحرم) . يشير إلى حديث أم سلمة﵂- الآتي- إن شاء الله تعالى - صـ ١٤٣. ٦ يشير إلى حديث أم سلمة - ﵂ – الآتي - إن شاء الله تعالى - ص ١٤٣.
[ ٩١ ]
بين الحشيشة والخمر؟،. فإن حُكِم بتحريم١ ذلك، فهل يحرم٢ القليل وإن لم يفتِّر، كما تحرم القطرة من الخمر وإن لم تسكر؟ وهل يجوز بيعه؟ والانتفاع به في غير مأكول؟، جزاكم الله خيرا، ونفع بعلومكم.
الحمد لله وحده، وصلاتُه وسلامه على رسوله وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين، والتابعين لهم بإحسانٍ أجمعين.
كثَّر الله فوائدكم، ونفع بعلومكم.
الذي يقول٣ الحقير: إنَّ الذي قامت عليه الأدلة، هو تحريم ما صَدَق عليه اسم المسكر٤..
لما في حديث ابن عمر﵄- أن النبي﵌- قال: "كُلُّ مُسْكِر خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام".
_________________
(١) ١ في (ب): (بالتحريم) . (يحرم): أسقطت من (أ) . ٣ في نسختي (أ) و(ب): (يقوله) . ٤ الأشربة للإمام أحمد ٢٥، الأشربة لابن قتيبة ٢٢- ٢٣، الإشراف لابن المنذر ٢/ ٣٧٩، شرح معاني الآثار للطحاوي ٤/٢١٤، المحلى ٧/ ٤٧٨، التمهيد ٣/ ٢٢٩، المُعْلِمُ بفوائد مسلم ٣/ ٦١، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ٢/٦٥٢، بدائع الصنائع ٥/ ١١٤- ١١٥، بداية المجتهد ١/ ٥٤٩، المغنى ١٢/ ٤٩٥ شرح صحيح مسلم للنووي ١٣/ ١٤٨، فتح الباري ١٠/٤٣، نيل الأوطار ٨/ ١٧٢.
[ ٩٢ ]
أخرجه مسلم١، وأحمد٢، وأهل السنن ٣ إلا ابن ماجة٤.
وفي لفظ: "كل مسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" أخرجه مسلم٥، والدارقطني٦.
وأخرج الشيخان٧، وأحمد٨، عن أبي موسى - رضي الله
_________________
(١) ١ صحيح مسلم/ كتاب الأشربة/ باب بيان أن كل مسكر خمر: ٣/ ١٥٨٧،- رقم (٧٣)، (٢٠٠٣) . ٢ كتاب الأشربة ٣٣، رقم (٧)، والمسند ٢/٢٩. ٣ أبو داود/ كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر ٤/٨٥، رقم (٣٦٧٩)، والترمذي/ أبواب الأشربة/ باب ما جاء في شارب الخمر ٢/ ١٩٢، رقم (١٩٢٣)، والنسائي في كتاب الأشربة المحظورة باب إثبات اسم الخمر لكل مسكر من الأشربة ٤/١٨٥، رقم (٦٨١١) . ٤ قلت: قد أخرجه ابن ماجة – أيضا - في كتاب الأشربة باب كل مسكر حرام ٢/ ١١٢٤ رقم (٣٣٩٠)، بلفظ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خمْر، وكُلُّ خمْر حَرَامٌ". ٥ صحيح مسلم/ كتاب الأشربة/ باب بيان أن كل مسكر خمر: ٣/ ١٥٨٨،، رقم (٧٥) (٢٠٠٣) . ٦ سنن الدارقطني كتاب الأشربة: ٤/ ٢٤٩، رقم (١٥)، (١٨) . ٧ صحيح البخاري/ كتاب المغازي/ باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ٣/ ٧٢، وصحيح مسلم/ كتاب الأشربة/ باب بيان أن كل مسكر خمر: ٣/ ١٥٨٦، رقم (٧٠)، (١٧٣٣) . ٨ كتاب الأشربة ٣٣، رقم (٨)، والمسند ٣٣.
[ ٩٣ ]
عنه - أن النبي ﵌- قال: " كُلُّ مُسْكِر حَرَام".
وأخرج أحمد١، ومسلم٢، والنَّسائي٣، عن جابر﵁- أن النَّبي﵌- قال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" ٤. وأخرج أبو داود٥، عن ابن عباس - ﵄ - عن
_________________
(١) ١ المسند ٣/ ٣٦١. ٢ صحيح مسلم/ كتاب الأشربة/ باب بيان أن كل مسكر خمر: ٣/ ١٥٨٧، رقم (٧٢)، (٢٠٠٢) . ٣ سنن النسائي/ كتاب الأشربة المحظورة/ باب تحريم كل شراب أسكر: ٤/ ١٨٦، رقم (٦٨١٨) . ٤ وسبب الحديث: ما رواه جابر - ﵁ - أن رجلا قدم من جيشان - وجيشان من االيمن - فسأل النبي - ﷺ- عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له: المَرْزُ؟، فقال النبيﷺ-: "أو مُسْكِرٌ هو؟ ". قال: نعم، قال رسول الله - ﷺ -: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إن على الله - ﷿ - عَهْدًا لِمَن يَشْرَبُ المسْكِرَ؛ أن يسقية من طِينَةِ الخَبَال"، قالوا: يا رسول الله. وما طينة الخبال؟ قال: " عَرَق أهل النَّار، أو عُصَارة أهل النَّار". أخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي. الأجزاء والصفحات السابقة. ٥ أبو داود/ كتاب الأشربة/ باب النهى عن المسكر ٤/ ٨٦، رقم (٣٦٨٥) . وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى/ كتاب الأشربة/ باب التشديد على من سقى صبيًّا خمرا ٨/ ٢٨٨. قلت: سكت عنه أبو داود، والمنذري - رحمهما الله - وصححه الألباني في صحيح الجامع. انظر: سنن أبي داود، الصفحة السابقة، ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٥ / ٢٦٦، نيل الأوطار ٨ / ١٧٤، صحيح الجامع الصغير ٢ / ٨٣٥، رقم (٤٥٤٨) .
[ ٩٤ ]
النبي - ﷺ. " كل مخمِّر١ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" ٢.
وأخرج أحمد٣، والترمذي٤ وصححه٥، والنَّسائي٦، وابن ماجة٧، من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي -
_________________
(١) ١ هو كل ما يغطي العقل، من التخمير، وهو التغطية. ٢ تمام الحديث: " ومن شرب مُسْكِرًا بُخِسَتْ صلاتُه أربعين صباحا، فإن تاب تابَ الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال "، قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟، قال: " صَديدُ أهل النَّار، ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حَلاله من حَرَامه، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". انظر: سنن أبى داود، والسنن الكبرى. الأجزاء والصفحات السابقة. ٣ كتاب الأشربة ٦١، رقم (١١٦)، المسند ٢/ ٤٢٩. ٤ سنن الترمذي أبواب الأشربة/ باب ما جاء كل مسكر حرام ٣/ ١٩٣، رقم (١٩٢٦) . ٥ سنن الترمذي. الصفحة السابقة، وحسنه الحافظ ابن حجر. وانظر: فتح الباري ١٠/ ٤٤، نيل الأوطار ٨/ ١٧٤- ١٧٥، -- الجامع الصغير ٨٣٦، رقم (٤٥٥٠) . ٦ سنن النسائى/ كتب الأشربة/ باب تحريم كل شراب أَسْكَر ٨/ ٢٩٧. ٧ سنن ابن ماجة/ كتاب الأشربة/ باب النهى عن نبيذ الأوعية: ٢/ ١١٢٧، رقم (٣٤٠١)، وقال محققه: قال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات.
[ ٩٥ ]
﵌ - قال: "كُلُّ مُسْكِر حَرَام". وأخرجه ابن ماجة١ من حديث ابن مسعود رضي الله.
وأخرج أحمد٢، وأبو داود٣، والترمذي٤ وحسنه٥، عن
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجة/ كتاب الأشربة/ باب كل مسكر حرام ٢/ ١١٢٣- ١١٢٤، رقم (٣٣٨٨)، وقال محققه: قال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. وانظر: نيل الأوطار ٨/ ١٧٤. ٢ كتاب الأشربة رقم (٢٦)، (٤٣)، (٩٧)، المسند ٦/ ١٣١. ٣ سنن أبي داود/ كتاب الأشربة/ باب النهي عن المسكر ٤/ ٩١، رقم (٣٦٨٧) . ٤ سنن الترمذي/ أبواب الأشربة/ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٣/ ١٩٤، رقم (١٩٢٧) . وأخرجه بالاضافة إلى من ذكرهم المصنف: ابن قتيبة في كتابه الأشربة٢٣٠، وابن أبي الدنيا في ذم المسكر ٥٩، رقم (١٩)، والدارقطني/ كتاب الأشربة: ٤/٢٥٠، رقم (٢٢)، وابن الجارود في المنتقى ٢١٩، رقم (٨٦١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار كتاب الأشربة./ باب ما يحرم من النبيذ ٤/ ٢١٦، والبيهقى في السنن الكبرى/ كتاب الأشربة/ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٨/ ٢٩٦، وفي شعب الايمان اباب المطاعم والمشارب ٥/ ٦، رقم (٥٥٧٥)، وفي معرفة السنن والآثار/ كتاب الأشربة ١٣/ ٢٧، رقم (١٧٣٤٩)، وابن حبان في صحيحه/ كتاب الأشربة ١٢/ ٢٠٣، رقم (٥٣٨٣) . ٥ وأقره المنذري على تحسينه. وانظر: سنن الترمذى. الصفحة السابقة، مختصر سنن أبي داود ٥/ ٢٧٥، فتح الباري ٠ ١/ ٤٣، نيل الأوطار ٨/ ١٨٠.
[ ٩٦ ]
عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﵌ -: "كُلُّ مُسْكِر حَرَامٌ، ومَا أسْكَرَ الفَرَق١ مِنْهُ٢، فَمِلْئُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ".
وأخرج أحمد٣، وأهل السنن٤،
_________________
(١) (القرق): بفتح الراء وسكونها، والفتح أشهر، انظر: اللسان ١٠/ ٣٠٦ مادة (فرق) . ونيل الأوطار ٨/ ١٨١- ١٨٢. ٢ جاء في نسخة (ج) بعد قوله (منه) مانصه: [مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع، ويحرك أو هو أفصح، أو يسع ستة عشر رطلا. ا.هـ قاموس] القاموس المحيط ٣/ ٢٨٤، مادة (فرق) . فقوله (آصع): جمع صاع، وهو يساوي (٢١٧٢) غراما، أو (٢.٧٤٨) لترا، فيكون مقدار الفرق (٦.٥) كيلو غراما، أو (٨.٢٥) لترا، تقريبا. وأما الرطل: فالذي يوزن به، ويساوى (٥، ٤٠٧) غراما، فيكون مقدار الفَرَق على هذا (٦.٥) كيلو غراما. وانظر: اللسان ٨/ ٢١٥،١١/ ٢٨٥، المصباح المنير ٢٣٠، ٤٧١، معجم لغة الفقهاء ٢٢٣، ٢٧٠. ٣ في كتاب الأشربة ٦٧، رقم (١٤٨)، والمسند ٣/ ٣٤٣. ٤ أبو داود اكتاب الأشربة/ باب النهي عن المسكر ٤/٨٧، رقم (٣٦٨١)، والترمذي/ أبواب الأشربة/ باب ماأسكر كثيره فقليله حرام ٣/ ١٩٤، رقم (١٩٢٧)، وابن ماجة/ كتاب الأشربة باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٢/ ١١٢٥، رقم (٣٣٩٣)، كلهم من طريق جابر - ﵁ -. وأخرجه النسائي/ كتاب الأشربة/ باب تحريم كل شراب أسكر كثيره ٤/ ١٨٦، رقم (٦٨٢٠) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال الحافظ في الفتح ١٠/ ٤٣: وسنده إلى عمرو صحيح. وأخرجه بالإضافة إلى من ذكرهم المصنف من حديت جابر: ابن أبي الدنيا في ذم المسكر ٦٠، رقم (٢١)، وابن الجارود في المنتقى ٢١٨، رقم (٨٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى/ كتاب الأشربة/ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٨/ ٢٩٦، وفي شعب الإيمان/ باب المطاعم والمشارب ٧١٥، رقم (٥٥٧٦)، والبغوي في شرح السنة/ كتاب الأشربة/ باب تحريم الخمر ١١/ ٣٥٥، رقم (٣٠١٠) .
[ ٩٧ ]
وابن حبان١ في صحيحه٢، أن النبي﵌ قال: "ما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرَامٌ".
وحسَّنه الترمذي٣، ورجال إسناده ثقات٤.
وأخرج النسائي٥، والبزَّار٦، وابن حبَّان٧، والدارقطني٨،
_________________
(١) ١ في (ج): (وابن ماجة)، بدل: وابن حبان. وهو خطأ بيِّن. ٢ صحيح ابن حبان/ كتاب الأشربة/ ١٢/ ٢٠٢، رقم (٥٣٨٢) . ٣ سنن الترمذي ٣/ ١٩٤. ٤ وكذا قال الحافظ ابن حجر، والصنعاني، وغيرهما. وانظر. فتح الباري ١٠/ ٤٣، التلخيص الحبير ٤/ ٧٣، سبل السلام ١٣٢١، نيل الأوطار ٨/ ١٨١. ٥ سنن النَّسائي/ كتاب الأشربة باب تحريم كل شراب أسكر كثيره ٨/٣٠١ (المجتبى) . ٦ مسند البزار ٣/ ٣٠٦، رقم (١٠٩٨)، (١٠٩٩) . ٧ صحيح ابن حبان/ كتاب الأشربة ١٢/ ١٩٢، رقم (٥٣٧٠) . ٨ سنن الدارقطني/ كتاب الأشربة ٤/ ٢٥١، رقم (٣٠)، (٣١) . وأخرجه بالإضافة إلى من ذكرهم المصنف: ابن أبى شيبة/ كتاب الأشربة ٥/ ٦٨، رقم (٢٣٧٦٣)، وابن الجارود في المنتقى ٢١٩، رقم (٨٦٢)، وابن المنذر في الإقناع/ كتاب الأشربة/ باب تحريم ما أسكر كثيره ٢/ ٦٦٤، رقم (٢٢٦)، والطحاوي كتاب الأشربة/ باب ما يحرم من النبيذ ٤/٢١٦، والبيهقى في السنن الكبرى كتاب الأشربة/ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٨/ ٢٩٦، وفي المعرفة/ كتاب الأشربة ١٣/ ٢٧، رقم (١٧٣٤٨) . قال العلامة المنذري في مختصر سنن أبي داود ٥/٢٦٧: وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها إسنادا.
[ ٩٨ ]
عن سعد بن أبي وقاص﵁- قال: نهى رسول الله- صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - عن قليل ما أسكر كثيره.
وفي الباب عن علي - ﵁ - عند الدارقطني١.
وعن ابن عمر - ﵄ - غير حديثه المتقدم٢، عند الطبراني٣.
_________________
(١) ١ سنن الدارقطنى/ كتاب الأشربة/ ٤/ ٢٥٠، رقم (٢١) .قال الزيلعي في نصب الراية ٤/ ٣٠٤ وفيه عيسى بن عبد الله عن آبائه تركه الدارقطني. وانظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣١٥، التاريخ الكبير ٦/٣٩٠، كتاب المجروحين لابن حبان ٢/ ١٢١. ٢ تقدم ص ٩٢. ٣ المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٣٨١، رقم (١٣٤١١) . وأخرجه أيضا: أحمد في الأشربة ٤٤، رقم (٧٤)، (٧٥)، وفي المسند ٢/ ٩١، وابن أبي الدنيا في ذم المسكر ٥٩، رقم (١٨)، وابن ماجة/ كتاب الأشربة/ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٢/ ١١٢٤، رقم (٣٣٩٢)، والدارقطنى كتاب الأشربة ٢٦٢، رقم (٨٣)، وصححه، والبيهقي السنن الكبرى/ كتاب الأشربة باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٨/ ٢٩٦.
[ ٩٩ ]
وعن خوَّات١ بن جبير - ﵁ - عند الدارقطني٢، والحاكم٣، والطبراني٤.
وعن زيد بن ثابت - ﵁ - عند الطبراني٥.
_________________
(١) ١ الصحابى الجليل: خوَّات بن جبير بن النعمان، الأنصاري، الأوسي، كان أحد فرسان النبىﷺ. مات سنة (٤٠ هـ) . ترجمته في: طبقات ابن سعد ٣/ ٣٦٣، أسد الغابة ١/ ٦٢٥، سير أعلام النبلاء٢/٣٢٩. ٢ سنن الدارقطني كتاب الأشربة ٤/ ٢٥٤، رقم (٤٤) . ٣ المستدرك/ كتاب معرفة الصحابة/ باب مناقب خوَّات بن جبير ٣/٤١٣، وسكت عنه. ٤ المعجم الكبير ٤/ ٢٤٤، رقم (٤١٤٩)، والمعجم الأوسط ٢/ ٣٦٧، رقم (١٦٣٩) . ورواه العقيلي في الضعفاء الكبير ٢/ ٢٣٣، في ترجمة عبد الله بن إسحاق، وقال عنه: له أحاديث لا يتابع منها على شي، ومنها هذا الحديث. ورواه الهيثمي في. مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٧/ ٩٩، رقم (٤١١١)، وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/ ٣٩٢. وانظر: مجمع الزوائد ٥/ ٥٧، فتح الباري ١٠/ ٤٣، نصب الراية ٤/ ٣٠٥. ٥ المعجم الكبير ٥/ ١٥٤، رقم (٤٨٨٠)، والأوسط (مجمع البحرين في زوائد المعجمين) ٧/ ٩٨، رقم (٤١١٠) . وهو ضعيف وانظر: مجمع الزوائد ٥/ ٥٧، فتح الباري ١٠/ ٤٣، نصب الراية ٤/ ٣٥٥.
[ ١٠٠ ]
و. عن عبد الله بن عمرو١﵄- عند الدارقطني٢.
وكلها مصرحة بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام٣.
وقد تقرر بهذا أن الشارع لم يحرّم نوعًا خاصا من أنواع المسكر دون نوع، بل حرمها على العموم٤ وسمّى كل ما يتصف بوصف
_________________
(١) ١ في (ب): عمر. ٢ سنن الدارقطني/ كتاب الأشربة ٤/ ٢٥٨، رقم (٦١) . وأخرجه أيضا: عبد الرزاق في مصنفه/ كتاب الأشربة ٩/ ٢٢١، رقم (١٧٠٠٧)، وأحمد في كتاب الأشربة ٢٦، رقم (٥)، وفي المسند ٢/ ١٦٧، والنسائي/ كتاب الأشربة/ باب تحريم كل شراب أسكر كثيره ٤٥/ ١٨٦ رقم (٦٨٢٠)، وابن ماجة/ كتاب الأشربة/ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٢/ ١١٢٤، رقم (٣٣٩٤) .، والحديث في إسناده مقال. وانظر: فتح الباري: ١٠/ ٤٣، نصب الراية ٤/ ٣٥١، التعليق المغنى ٤/٢٥٧، بلوغ الأماني ١٧/ ١٣١. ٣ انظر المصادر في الحاشية رقم (٤) صفحة (٩٢) . ٤ الأشربة لابن قتيبة ٩٨، الإقناع لابن المنذر ٢/ ٦٦٧، المغني ١٢/ ٤٩٥، شرح الخرشي ١/ ٨٤، فتح الباري ١٠/ ٤٢، ٦٦، طرح التثريب ٨/ ٤١، ٤٢، ٤٦، المحلى، ٧/ ٤٧٨، نهاية المحتاج ٨/ ١٢.
[ ١٠١ ]
الإسكار خمرا١.
فيتناول النص القرآني- أعني ٢ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ٣ وَالأَنْصَابُ٤ وَالأَزْلامُ٥
_________________
(١) ١ قال الإمام النَّسائي في سننه ٨/٣٠١ بعد أن ذكر الأحاديث التي نصَّت على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام: وفي هذا دليل على تحريم السُّكْر قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحريمهم آخر الشربة، وتحليلهم ما تقدمها الذي يُشربُ في الفَرَق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم أن السُّكر بكليته لا يحدث على الشَّربة الآخرة دون الأولى والثانية بعدها، وبالله التوفيق. انتهى كلامه زحمه الله تعالى. ٢ في (جـ): (عن) . ٣الميسر: القمار، وهو: كل لعب يشترط فيه أن يأخذ الغالب من المغلوب شيئا، إلا ما أبيح من الرهان في الخيل، والقرعة في إفراز الحقوق. وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٥٢١٣، فتح القدير للمصنف ١/ ٢٢٠. ٤ الأنصاب: جمع نُصُب، وهو الصنم المنصوب للعبادة، هذا قول الجمهور. وقال مقاتل: أحجار حول. الكعبة يذبحون لها، النكت والعيون للماوردي ٢/ ٦٤، فتح القدير ٢/ ٧٣. ٥ الأزلام: جمع ز لم، وهي قداح الميسر، والأزلام عند العرب ثلاثة أنواع:" الأول: مكتوب فيه: (افعل) . والثاني: مكتوب فيه: (لا تفعل) . والثالث: لا شيء عليه. فيجعلها الشخص في كيس معه، فإذا أراد فعل شيء أدخل يدَه في الكيس، فأخرج واحدًا منها، فإن خرج الأول فعل ما عزم عليه، وإن خرج الثاني تركه، وإن خرج الثالث أعاد يده حتى يخرج واحد من الأوَّلين، وقيل في تفسيرها غير ذلك. وانظر: معا لم التنزيل للبغوي ٣/ ١١- ١٢، زاد المسير لابن الجوزي ٢/ ٢٨٤، فتح القدير ٢/ ١٠.
[ ١٠٢ ]
رِجْسٌ١ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ٢ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٣ كل ما صدق عليه أنَّه مسكر٤ فيكون تحريمه ثابتا بنص الكتاب٥، وبما تواتر من السنَّة٦.
_________________
(١) ١ رجس: يعنى حرامًا، وأصل الرجس: المستقذر الممنوع منه، فعبر به عن الحرام؛ لكونه ممنوعا منه. النكت والعيون للماوردي ٢/ ٦٥، زاد المسير ٢/ ٤١٧. ٢ أي من تزيين الشيطان، كما فسره ابن عباس - ﵄ -. قال ابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ٤١٨: فإن قيل: كيف نُسِب إليه، وليس من فعله؛ فالجواب: أن نسبته إليه مجاز، وإنما نُسِب إليه، لأنه هو الداعي إليه، المزين له. ٣من الآية (٩٠) من سورة المائدة، وتمام الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤ أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٥٦- ٦٥٧، الجامع للقرطبي هـ/ ٢٨٨، معالم التنزيل للبغوي ٣/ ٩٤، فتح القدير ٢/ ٧٤. ٥ المصادر السابقة. ٦ شرح السنَّة ١١/ ٣٥٢- ٣٥٣، المغني ٨/ ٣٠٥، معالم السنن ٤/ ٢٦٤- ٢٦٦، القَبَس ٢/ ٦٥٢، المحلى ٧/ ٤٧٨، التمهيد ١/ ٢٤٩، عارضة الأحوذي ٨/ ٥٥ فتح الباري ١٠/ ٤٢- ٤٣.
[ ١٠٣ ]
ويؤيد هذا أن جماعة من أئمة اللغة جزموا بأن الخمر إنما سميت خمرا؛ لمخامرتها العقل١ وسترها له٢، منهم الدِّينَوْرِي٣، والجوهري٤، وابن الأعرابي٥،
_________________
(١) ١ في (ب) و(ج): للعقل) . ٢ قولهم في: تاج العروس ٣/ ١٨٦- ١٨٧، الصحاح ٢/ ٦٤٩، اللسان ٤/ ٢٥٥. ٣ أحمد بن داود الدِّينَوْرِي، أبو حنيفة النحوي، أحد علماء النحو، واللغة، والهندسة، والتاريخ وغير ذلك، من مصنفاته: (الأخبار الطوال) في التاريخ، (النبات)، (الفصاحة)، (ما تلحن فيه العامة)، وغيرها. مات سنة (٢٨٢ هـ) . ترجمته في: انباه الرواة ١/ ٤١، هدية العارفين ١/ ٥١، الأعلام ١١/ ١٢٣. ٤ إسماعيل بن حمَّاد، أبو نصر الجوهري من مشاهير علماء اللغة، كان يحب الأسفار والتغرب وهو أول من حاول الطيران فمات في محاولته تلك. من مصنفاته: (الصحاح) من أشهر كتب اللغة، وأكثرها تداولا، وله كتاب في العروض، ومقدمة في النحو. مات سنة (٣٩٣ هـ) بنيسابور. ترجمته في: إنباء الرواة ١/ ١٩٤، شذرات الذهب ٣/ ١٤٢، الأعلام ١/ ٣١٣. ٥ محمد بن زياد، أبو عبد الله، الشَّهير بابن الأعرابي، إمام أهل اللغة، من أهل الكوفة، كان صاحب سنة واتباع، صالحا، زاهدًا، ورعًا صدوقًا، وله معرفة كبيرة بأنساب العرب وأيامهم. من مصنفاته الكثيرة: (النوادر)، (تفسير الأمثال)، (أبيات المعاني)، (أسماء الخيل وفرسانها) . مات بسامراء سنة (٢٣١ هـ) . ترجمته في: إنباء الرواة ٣/ ١٢٨، وفيات الأعيان ٤/ ٣٥٦ء، الأعلام ٦/١٣١.
[ ١٠٤ ]
وصاحب١ القاموس٢، والراغب٣ في مفردات القرآن٤ وغيرهم٥.
_________________
(١) ١ هو: محمد بن يعقوب بن محمد، أبو طاهر الفيروز آبادي، واحد من أبرز أئمة اللغة، رحل في طلب العلم حتى أصبح عالم أهل زمانه في التفسير، والحديث، واللغة وغيرها، من مصنفاته: (القاموس المحيط)، (بصائر ذوي التمييز)، (المغانم المطابة في معالم طابة)، مات سنة (٨١٧ هـ) بزبيد من أرض اليمن. ترجمته في: هدية العارفين ٢/١٨٠، البدر الطالع ٢/ ٢٨٠، الأعلام ٧/ ١٤٦. ٢ القاموس المحيط ٢/ ٢٣. ٣ الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني، من أذكياء المتكلمين، والأدباء الحكماء، من مصنفاته: (المفردات) في غريب القرآن، وهو أشهرها، و(حل متشابهات القرآن)، و(محاضرات الأدباء) مات سنة (٥٥٢ هـ) . ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٢٠، هدية العارفين ١/ ٣١١، الأعلام ٢/ ٢٥٥. ٤ مفردات القرآن ٢٩٩. ٥ انظر: المصادر اللغوية في الحاشية رقم (٢) من الصفحة السابقة، والمصباح المنير ١٨٢.
[ ١٠٥ ]
ولكنه وقع الخلاف: هل الخمر حقيقة في عصير العنب فقط؟ ومجاز فيما عداه؟ /١ أو هي حقيقة في كل مسكر؟، أو في بعض المسكرات دون بعض؟.
قال الراغب في المفردات٢: سُمِّي٣ الخمر؛ لكونه خامرا للعقل؛ أي، ساترا له٤. وهو عند٥ بعض النَّاس/٦ اسم لكل مسكر٧.
وعند بعضهم: للمتَّخَذِ من العنب خاصة٨.
وعند بعضهم: للمتَّخَذِ من العنب/٩ والتمر١٠.
وعند بعضهم: لغير المطبوخ١١.
ثم رجَّح أنَّ كلَّ شيء يستر العقل يُسَمَّى خمرا١٢.
_________________
(١) ١ نهاية لوحة: (١) من (ب) . ٢ المفردات ٢٩٩. ٣ كذا في (أ)، (ج)، وفي (ب): (يسمى) . ٤ المصدر السابق، واللسان ٤/ ٢٥٥، تاج العروس ٣/ ١٨٦. ٥ في (ج): (وعند)، وما أثبته موافق لما في المفردات. ٦ نهاية لوحة: (٢) من (ج) . ٧ أسهل المدارك ١/ ٤٦، مغني المحتاج ٤/ ١٨٦، كشاف القناع ٦/ ١١٦، اللسان ٤/ ٢٥٥. ٨ البحر الرائق ٨/ ٢٤٧، اللسان ٤/ ٢٥٥. ٩ نهاية لوحة (١) من (أ) . ١٠ المفردات، الصفحة السابقة. ١١ المفردات، الصفحة السابقة. ١٢ المفردات ٢٩٩.
[ ١٠٦ ]
وبذلك جزم من قدَّمنا ذكره من أئمة اللغة١.
قال في القاموس٢.
الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو عام كالخمرة.
قال: والعموم أصح؛ لأنَّها حرِّمت وما بالمدينة خمر عنب٣، وما كان شرابهم إلا البسر٤ والتمر. انتهى.
وجزم ابن سِيدَه٥ في المحكم٦ [بأن الخمر حقيقة إنما هي العنب٧، وغيرها من المسكرات يسمى خمرا مجازا.
وحكى صاحب٨ فتح الباري،] ٩
_________________
(١) ١ الصحاح ٢/ ٦٤٩، اللسان ٤/ ٢٥٥، القاموس المحيط ٢/ ٢٣، تاج العروس ٣/ ١٨٦- ١٨٧. ٢ القاموس المجيط ٢/ ٢٣. ٣ انظر حديث أنس﵁- الآتي ١١٥. ٤ البسر: جمع بُسْرة، التمر قبل أن يرطب لغضاضته. اللسان ٤/٨٥. ٥ علي بن إسماعيل المرسي، أبو الحسن، الشهير بابن سيدَه، من أئمة اللغة والأدب، من مصنفاته (المحكم والمحيط الأعظم)، (المخصص)، مات سنة (٤٥٨ هـ) . ترجمته في: إنباء الرواة ٢/ ٢٢٥، وفيات الأعيان ٣/٣٣٠، الأعلام ٤/ ٢٦٣. ٦ المحكم ٢/ ١٣٤ مادة (عنب)، و٥/ ١١٤ مادة (خمر) . ٧ في (ب): (للعنب) . وما أثبته موافق لما في المحكم. ٨ هو الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، انظر قوله في كتابه فتح الباري ١٠/ ٤٨. ٩ ما بين الحاصرتين أسقط من (ج) .
[ ١٠٧ ]
عن صاحب١ الهداية من الحنفية٢، أن الخمر عندهم ما اختمر من ماء العنب إذا اشتد.
قال: وهو المعروف عند أهل اللغة٣، وأهل العلم٤.
قال: وقيل: اسمٌ لكل مسكر٥؛ لقوله- صلى الله تعالى عليه وسلم-: "كُلُّ مُسْكِرٍ خمْرٌ" ٦، وقوله﵌-: "الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ" ٧، ولأنه من مخامرة العقل، وذلك موجود في كل مسكر٨.
_________________
(١) ١ صاحب الهداية: علي بن أبي بكر المرغيناني، من أبرز فقهاء الحنفية. مات سنة (٥٩٣هـ) . ترجمته في: الفوائد البهيَّة ١٤١، سير أعلام النبلاء٢١/ ٢٣٢، الأعلام ٤/ ٢٦٦. ٢ الهداية ٤/ ١٥٨. ٣ اللسان ٤/ ٢٥٥، مادة (خمر) . ٤ تبيين الحقائق ٦/ ٤٤، ملتقى الأبحر ٢/ ٢٦١، البحر الرائق ٨/ ٢٤٧. ٥ القوانين الفقهية ١١٧، بداية المجتهد ١/ ٥٤٩، مغني المحتاج ٤/ ١١٧، المبدع ٩/ ١٠٠ -١٠١. ٦ ورد هذا من حديث ابن عمر﵄- وسبق تخريجه ص ٩٢-٩٣. ٧ ورد هذا من حديث أبى هريرة﵁- رواه مسلم/ كتاب الأشربة/ باب بيان أن جميع ما ينبذ مما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمرا ٣/ ١٥٧٣، رقم (١٩٨٥) . ٨ انظر: المصادر الفقهية السابقة في الحاشيتين رقم (٤)، (٥) .
[ ١٠٨ ]
قال:١ ولنا: إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعي، وتحريم٢ ماعدا المتخذ من العنب ظني.
قال٣: وإنَّما سمِّي الخمر خمرًا٤ لتخمره لا لمخامرته العقل.
قال٥: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصًا فيه، كما في النَّجم، فإنَّه مشتق من [النجوم وهو] ٦ الظهور٧، ثم هو خاصٌ بالثريا. انتهى٨.
_________________
(١) ١ الهداية ٤/ ١٠٨. ٢ في (أ) (وتحريمها مما عدا المتخذ من العنب ظني) . ٣ الهداية ٤/ ١٠٨. ٤ في (أ): (خمرة) . ٥ الهداية. الصفحة السابقة. ٦ ما بين الحاصرتين زيادة من الهداية. ٧ قال صاحب تكملة فتح القدير ٩/ ٢٥: [قال صاحب العناية: فإن النجم مشتق من نَجَم إذا ظهر، ثم هو خاصٌ بالثريا، انتهى، وتبعه العيني. أقول: هذا شرح غير صحيح لا يطابق المشروح؛ لأن النجم إنما كان اسمًا خاصًا لجنس الكوكب، موضوعًا لظهوره، ثم صار علمًا للثريا بلا وضع واضع معيَّن، بل لأجل الغلبة، وكثرة استعماله في فرد من أفراد جنسه كما هو حال سائر الأعلام الغالبة ٠٠٠٠، انتهى كلامه. انظر: تكملة فتح القدير. الصفحة السابقة، والعناية على الهداية بهامش التكملة ٩/ ٢٥. ٨ الهداية ٤/ ١٥٨، البحر الرائق ٨/ ٢٤٧، الاختيار ٣/ ٥٦.
[ ١٠٩ ]
قال الحافظ١: والجواب عن الحجة الأولى: ثبوت النقل عن بعض أهل٢ اللغة بأنَّ غير المتخذ من العنب يُسمَّى خمرا٣.
وقال الخطابيُّ٤: زعم قوم أنَّ العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب.
فيقال لهم: إنَّ الصحابة الذين سمَّوا غير المتخذ من العنب خمرا فصحاء٥، فلم لا يكون٦ هذا الاسم صحيحا لما أطلقوه٧.
_________________
(١) ١ فتح الباري ١٠/ ٤٨. ٢ في (أ): (علماء اللغة) . ٣ اللسان ٤/ ٢٥٥. مادة: (خمر) . ٤ العلامة حمد بن محمد الخطابي، من كبار فقهاء الشافعية، وأحد علماء اللغة، والحديث، والأدب، من مصنفاته: (غريب الحديث)، (أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري)، (معالم السنن في شرح سنن أبي داود) . مات سنة (٣٨٨ هـ) . ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٢١٤، طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٢٨٢، سير أعلام النبلاء١٧/ ٢٣. ٥ في (ج): (فضيخا) . ٦ في الفتح: فلو لم يكن. ٧ معالم السنن للخطابي ٤/ ٢٦٢. وانظر: فتح الباري ١٠/ ٤٨، نيل الأوطار ٨/ ١٧٧، تحفة الأحوذي ٥/ ٦١٩.
[ ١١٠ ]
قال ابن عبد البر١: قال الكوفيون: الخمر من العنب، لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ٢.
قالوا: فدل على أن الخمر هو ما يُعْتَصر لا ما يُنبَذ٣.
قال: ولا دليل فيه على الحصر٤.
وقال أهل المدينة، وسائر أهل الحجاز، وأهل الحديث كلُّهم: كل مسكر خمر، وحكمه حكم ما اتُّخِذَ من العنب٥.
ومن الحجة لهم٦:
أن القرآن لما نزل بتحريم الخمر، فهم الصحابة - ﵃، وهم أهل اللسان - أن كل شيء يسمى خمرا يدخل في النَّهي
_________________
(١) ١ التمهيد١/ ٢٤٥. ٢ من الآية (٣٦) من سورة يوسف ﵇. ٣ أحكام القرآن للجصاص ٢/٩، المبسوط ٢٤/ ٢، تحفة الأحوذي ٥/ ٦١٩. ٤ التمهيد ١/ ٢٤٥، الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٨١. ٥ التمهيد، والكافي. الصفحات السابقة، وبداية المجتهد ١/ ٥٤٩، المحلى ٧/ ٤٧٨. مقدمات ابن رشد١/ ٤٤٢-٤٤٣، شرح السنة ١١/ ٣٥٢، المهذب ٢/ ٢٨٦ ٠ المغني ١٢/ ٤٩٥، شرح صحيح مسلم للنووي ١٣/ ١٤٨، فتح الباري ١٠/ ٤٨، سبل السلام ٤/ ١٣١٨، نيل الأوطار ٨/ ١٧٧. ٦ انظر: المصادر السابقة.
[ ١١١ ]
فأراقوا المتخذ من التمر والرطب، ولم يخُصُّوا ذلك بالمتخذ من العنب. وعلى تقدير التسليم١، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرا من الشرع٢، كان حقيقة شرعية٣، وهى مقدمة على الحقيقة اللغوية٤، كما تقرر في الأصول٥.
والجواب عن قوله: إن تحريم الخمر قطعي، وتحريم ماعدا المتخذ من العنب ظني٦:
بأنَّ اختلاف٧ مشتركين في الحكم في الغلظ٨، لا يلزم منه افتراقهما
_________________
(١) ١ فتح الباري ١٠/ ٤٨، نيل الأوطار ٨/ ١٧٧. ٢ في (أ): (الشارع) . ٣ الحقيقة الشرعية: اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الشرع. انظر: البحر المحيط للزركشي ٢/ ١٥٨، شرح الكوكب المنير ١/ ١٥٠، إرشاد الفحول ٢١. ٤ الحقيقة اللغوية: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي. انظر: المصادر الأصولية السابقة. ٥ هذا قول جمهور علماء الأصول، وفي المسألة خلاف بين الأصوليين يطول ذكره هنا. ينظر قي هذه المسألة: البحر المحيط للزركشي ٦/ ١٦٧، المستصفى ١/ ١٥٢، التمهيد للإسنوي ٢٢٨ التمهيد لأبي الخطاب ٢/٢٦٣، شرح مختصر ابن الحاجب ١/ ٢١٥، إرشاد الفحول ٢١، نزهة الخاطر العاطر ٢/ ١٢. ٦ الهداية ٤/ ١٠٨. ٧ في (أ)، و(ج): (باختلاف مشتركين) . ٨ في (ج): (اللفظ) .
[ ١١٢ ]
في التسمية، كالزنا مثلا: فإنه يصدق على مَنْ١ وطئ أجنبية، وعلى من وطئ امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول كما ثبت في الحديث الصحيح٢، أن ذلك من
_________________
(١) (مَنْ): أسقطت من (أ) . ٢ من ذلك: (أ) ما روى عبد الله بن مسعود﵁- قال: سألت رسول اللهﷺ-: أيُّ الذنب أعظم عند الله تعالى؟. قال: "أنْ تجعلَ لله نِدًّا وهو خَلَقك"، قال: قلت له: إن ذلك لعظيم، قال: قلت: ثم أيُّ؟، قال: "أن تَقْتُل وَلَدَك مخافَةَ أن يطعَمَ مَعَك" قال: قلت: ثم أيُّ؟، قال: "أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَة جَارِكَ". أخرجه البخاري في كتاب التفسير/ باب تفسير سورة البقرة ٣/ ٩٨، ومسلم في كتاب الإيمان/ باب كون الشرك أقبح الذنوب، وبيان أعظمها بعده ١/ ٩٠، رقم (١٤١)، (٨٦) . (ب) عن المقداد بن الأسود﵁- قال رسول اللهﷺ-: "لأنْ يَزْني الرجلُ بِعَشْرِ نِسْوَه، أيْسَر غليه من أن يزني بامرأة جاره". رواه أحمد ٦/ ٨، والبخاري في الأدب المفرد ١/ ١٩٣، رقم (١٠٣)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٠/ ٢٥٦، رقم (٦٠٥)، والأوسط (مجمع البحرين في زوائد المعجمين هـ/ ١٨٩- ١٩٠، رقم (٢٨٩٧) . وأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٧٩، وقال: رواته ثقات، وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٦٨.
[ ١١٣ ]
أكبر١ الكبائر٢. وكذلك يصدق اسم الزنا على وطء المَحْرَم٣، وهو أغلظ من وطء من ليست كذلك٤.
وأيضا: فالأحكام الشرعية٥ لا يشترط فيها الأدلة القطعية٦، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره، أن لا يكون حراما، بل يحكم بتحريمه إذا ثبت بطريق ظني، فكذلك يُحكم بتسميته إذا ثبت بمثل تلك الطريق، وقد تقرر أن اللغة تثبت بالآحاد٧، وكذلك الأسماء الشرعية٨.
_________________
(١) ١ قال الإمام النووي قي شرح صحيح مسلم ٢/ ٨١: وهو- أي الزنا- مع امرأة الجار أشد قبحا، وأعظم جرمًا؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه، وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كلَّه بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه، مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه، كان في غاية من القبح. انتهى. ٢ فتح الباري ٨/ ٤٩٤، الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/ ٢١٩، ٢٢٣، الكبائر للذهبي ٥٥- ٥٦. شرح الكوكب المنير ٢/ ٤٠١. ٣ شرح السنة ١٠ / ٣٠٥، معا لم السنن ٣/ ٣٢٨، المغني ١٢/ ٣٤٣، زاد المعاد ٥/ ٤١، نيل الأوطار ٧/ ١١٦، ٨/ ١٧٧. ٤ المصادر السابقة، والزواجر ٢/ ٢٢٤، ٢٢٦، الكبائر للذهبي ٥٥. ٥ في فتح الباري ١٠/ ٤٨..، ونيل الأوطار ٨/ ١٧٧: (الفرعية) . ٦ شرح مختصر ابن الحاجب ٢/ ٥٨، المستصفى ١٤٧١١، شرح الكوكب المنير ٢/ ٣٦١، إرشاد الفحول ٤٩. ٧ المزهر للسيوطي ١/ ١٣٨، شرح الكوكب المنير ١/ ٢٩٠. ٨ العدة ١/ ١٩٠، شرح مختصر الروضة ١/ ٤٩٠.
[ ١١٤ ]
وأما قوله١:إنَّ الخمر إنَّما يسمَّى خمرا، لتخمره، لا لمخامرته٢ العقل.
فهذا مع كونه مخالفا لأقوال أئمة اللغة كما تقدم، هو أيضا، مخالف لما أسلفناه عنه - ﵌ - من الحكم على كل مسكر بأنَّه خمر، ومخالفٌ لما أخرجه أحمد٣، ومسلم٤، وأهل السنن٥، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله- صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-: "الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَة، والعِنَبَةِ".
وما أخرجه الشيخان٦ عن أنس﵁- قال: إنَّ
_________________
(١) ١ الهداية ٤/ ١٠٨. ٢ في (ب) و(ج): (لا لمخامرة العقل) . ٣ أحمد في كتاب الأشربة ص ٥٨ رقم (١٣٧)، هـ ٦٢ رقم (١٥٥)، وفي المسند ٢/ ٢٧٩، ٠٤٠٨، ٤٠٩، ٤٧٤، ٥١٧، ٥١٨، ٥٢٦. ٤ صحيح مسلم/ كتاب الأشربة/ باب بيان أن جميع ما ينبذ مما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمرا ٣/ ١٥٧٣، رقم (١٩٨٥)، وسبق أن ذكر المصنف هذا الحديث ص ١٠٨. ٥ فأخرجه أبو داود في كتاب الأشربة ٤/ ٨٤، رقم (٣٦٧٨)، والترمذي/ أبواب الأشربة/ باب ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر ٣/ ١٩٨، رقم (١٩٣٦)، والنَّسائي/ كتاب الأشربة المحظورة ٤/ ١٨١، رقم (٦٧٨٨/ ١)، وابن ماجة/ كتاب الأشربة/ باب ما يكون منه الخمر ٢/ ١١٢١، رقم (٣٣٧٨) . ٦ صحيح البخاري/ كتاب الأشربة ٣/ ٣٢١، وصحيح مسلم/ كتاب الأشربة/ باب تحريم الخمر ٣/ ١٥٧١- ١٥٧٢، رقم (١٩٨٠) .
[ ١١٥ ]
الخمر حُرِّمت والخمر يومئذٍ البسر والتمر.
وفي لفظ، قال١: حرِّمت علينا حين حرِّمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة٢ خمرنا/٣ البسر والتمر. رواه البخاري٤.
وفي لفظ: لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر، وما في المدينة /٥ شراب يُشرب٦ إلا من تمر. أخرجه مسلم٧.
وأخرج الشيخان٨ عن أنس﵁- أيضا، قال:
كنت أسقي أبا عبيدة٩،
_________________
(١) ١ قال: أسقطت من (أ)، وفي (ج): (قالت) . ٢ في النسخ الثلاث (وغاية)، وما أثبته لفظ الصحيح. ٣ نهاية لوحة (٢) من (أ) . ٤ صحيح البخاري/ كتاب الأشربة/ باب الخمر من العنب ٣/ ٣٢١. ٥ نهاية لوحة (٣) من (ج) . (يشرب) زيادة من صحيح مسلم ليست في النسخ. ٧ صحيح مسلم/ كتاب الأشربة باب تحريم الخمر ٣/ ١٥٧٢، رقم (١٩٨٢) . ٨ صحيح البخاري/ كتاب الأشربة/ باب نزول تحريم الخمر وهى من البسر والتمر ٣/ ٣٢١، واللفظ له. وصحيح مسلم/ كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر ٣/١٥٧٢، رقم (١٩٨٠) . ٩ أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح القرشى، أحد السابقين الأولين، ومن العشرة المبشرين بالجنة، وأمين هذه الأمة. مات سنة ١٨هـ) . ترجمته في: طبقات ابن سعد ٣/ ٣١٢، أسد الغابة ٣/ ٢٤، سير أعلام النبلاء١/ ٥.
[ ١١٦ ]
وأبا١ طلحة٢، وأبيَّ بن كعب من فضيخ٣ زهو٤ وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد٥ حرِّمت، فقال أبو طلحة: قم٦ ياأنس فأهرقها٧ فأهرقتُها٨
وأخرج البخاري٩ عن ابن عمر - ﵄ - قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب.
_________________
(١) (وأبا طلحة): أسقطت من النسخ الثلاث. ٢ أبو طلحة: زيد بن سهل بن الأسود الخزرجي، الصحابي الجليل، من الشجعان الرماة المعدودين في الجاهلية والإسلام، وكان جهير الصوت، مات سنة (٣٤ هـ) . طبقات ابن سعد ٣/ ٣٨٢، أسد الغابة ٢/ ١٣٧، الأعلام ٣/ ٥٨. ٣ الفضيخ: الشراب المتخذ من التمر المشقق - قبل أن يرطب - يصب عليه الماء ويترك حتى يتحلل فيه. غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ٣٠٣، النهاية ٣/ ٤٥٣، فتح الباري ١٠/ ٣٨، معجم لغة الفقهاء٣٤٧. ٤ الزهو: البلح إذا بدأ فيه الاحمرار أو الاصفرار. (قد): أسقطت من جميع النسخ وهي في الصحيح. (قم): أسقطت من (أ)، (ج) . ٧ أي: أرقها: صُبَّها وأتلفها. (فأهرقتها) زيادة من الصحيح. ٩ صحيح البخاري/ كتاب تفسير القرآن/ باب تفسير سورة المائدة ٣/ ١٢٥.
[ ١١٧ ]
وأخرج الشيخان١ عن عمر٢﵁ - أنه قال على منبر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -: أما بعد: أيها النَّاس، إنَّه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل ٣. وأخرج أحمد٤، وأبو داود٥، والترمذي٦، وابن ماجة٧،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري/ كتاب الأشربة باب الخمر من العنب ٣/ ٣٢١، واللفظ له. وصحيح مسلم كتاب التفسير/ باب نزول تحريم الخمر ٤/ ٢٣٢٢، رقم (٣٢) (٣٠٣٢) . ٢ في (أ)، (ابن عمر) . ٣ قال الحافظ في الفتح ١٠/ ٤٧: قوله: (والخمر ما خامر العقل): أي غطاه، أو خالطه فلم يتركه على حاله، وهو من مجاز التشبيه، والعقل هو آله التمييز، فلذلك حرم ما غطاه أو غيَّره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه. انتهى. ٤ في كتاب الأشربة ٤٤، رقم (٧٢)، وفي المسند ٤/ ٢٦٧، ٢٧٣. ٥ سنن أبي داود/ كتاب الأشربة/ باب الخمر مما هي؟ ٤/ ٨٣، رقم (٣٦٧٦) . ٦ سنن الترمذي/ أبواب الأشربة/ باب ما جاء في الحبوب التى يتخذ منها الخمر ٣/ ١٩٧ رقم (١٩٣٤)، واللفظ له، وقال: هذا حديث غريب. ٧ سنن ابن ماجة/ كتاب الأشربة/ باب ما يكون منه الخمر ٢/ ١١٢١، رقم (٣٣٧٩) . وأخرجه أيضا: الحاكم في المستدرك/ كتاب الأشربة ٤/ ١٤٨، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وابن حبان في صحيحه/ كتاب الأشربة ١٢/ ٢١٩-٢٢٠، رقم (٥٣٩٨)، والدارقطني/ كتاب الأشربة ٤/ ٢٥٣، رقم (٤١)، والبيهقى في السنن الكبرى/ كتاب الأشربة ٨/ ٢٨٩، وفي معرفة السنن والآثار كتاب الأشربة/ ١٣/ ١٥، رقم (١٧٣٠٦) . قال الحافظ عن هذا الحديث: صححه، ابن حبان وانظر: مختصر سنن أبي داود ٥/ ٢٦٢، فتح الباري ١٠/٤٦، نيل الأوطا ر ٨/ ١٧٤.
[ ١١٨ ]
عن النعمان بن بشير - ﵄ - قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -: "إِنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، وَمِنَ الشَّعِيرِ خمْرًا، وَمِنَ الزّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وَمِنَ العَسَلِ خَمْرًا".
زاد أحمد١، وأبو داود٢: "وأَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ".
فإن قيل: هذه الإطلاقات لا تنافي: أن يكون ما عدا عصير العنب من المسكرات خمرا مجازا.
فيقال: وأيُّ أمر سوَّغ المصير إلى المجاز مع ثبوت إطلاق اسم الخمر على كل مسكر، بنقل الجماهير من أئمة اللغة٣، وثبوت ذلك
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/ ٢٧٣. ٢ سنن أبي داود ٤/ ٨٤، رقم (٣٦٧٧) . ٣ الصحاح ٢/ ٦٤٩، اللسان ٤/ ٢٥٥، المصباح ١٨٢، القاموس ٢/ ٢٣.
[ ١١٩ ]
عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم١، وعن أصحابه- رضي الله عنهم٢-، وجمهور أهل العلم٣.
وقد تقرر أن الأصل في الإطلاق الحقيقة٤، فما الذي نقل عن هذا الأصل؟، وأوجب المصير إلى المجاز؟.
ولو سلَّمنا أن ذلك الإطلاق مجاز عند أهل اللغة، فلا نسلم أنه مجاز عند الشارع وأهل الشرع، والحقائق الشرعية مقدمة٥.
وبالجملة فالأدلة المتقدمة قد دلت على تحريم كل مسكر، وذلك هو المطلوب.
قال٦ القرطبي٧:
_________________
(١) ١ انظر الأحاديث ص: ٩٣، ٩٤، ٩٥. ٢ أقوال الصحابة - ﵃ - في: مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٦٦- ٦٧، مصنف عبد الرزاق ٩/ ٢٣٥، المعرفة للبيهقي ١٣/ ٢٣، الإشراف لابن المنذر ٢/ ٣٧٧، المغني ١٢/ ٤٩٥. ٣ التفريع ١/ ٤٠٩، المهذب ٢/ ٢٨٦، المقنع ٣/ ٤٧٦. ٤ البحر المحيط للزركشى ٦/ ١٦٦، ثرح الكوكب المنير ١/ ٢٩٤، نزهة الخاطر ٢/٢٠. ٥ انظر الحاشية رقم (٥) ص ١١٢. ٦ قول القرطبي في كتابه: [المُفْهِم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم]، ٣/ ٣/ ٢٧٨- ٢٧٩. وقوله – أيضا - في: فتح الباري ١٠/٤٩،، نيل الأوطار ٨/ ١٧٨، تحفة الأحوذي ٥/ ٦٢٠. ٧ أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبى، أبو العبَّاس الأندلسي، من أهل الحديث، ومن أعيان فقهاء المالكية، من مصنفاته: (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)، و(مختصر صحيح مسلم)، (ومختصر صحيح البخاري)، و(كشف القناع عن حكم الوجد والسماع) . مات سنة (٦٥٦ هـ) بالإسكندرية. ترجمته في: الديباج المذهب ٦٨، هدية العارفين ١/٩٦، الأعلام ١/ ١٨٦.
[ ١٢٠ ]
الأحاديث الواردة عن أنس وغيره - على صحتها وكثرتها - تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأنَّ الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يُسمَّى١ خمرا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، والسنة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنَّهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب٢ وبين ما يتخذ من غيره، بل سوَّوا بينهما، وحرموا كل مسكر، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب٣، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نَزَل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد،
_________________
(١) ١في (أ): (فلايسمى) . ٢ نهاية لوحة (٢) من (ب) . ٣ وقد ورد في إتلاف الصحابة - رضي الله، عنهم - الخمر، عدة أحاديث، منها: أ- حديث أنس - ﵁ - في الصحيحين، وقد ذكره المصنف ص١١٦- ١١٧.
(٢) حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول اللهﷺ- يخطب بالمدينة قال: "يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله تعالى يعرِّضُ بِالخَمْرِ، ولعلَّ الله سيُنزلُ فيها أمْرًا، فَمَنْ كانَ عنده منْهَا شَيْء فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ". قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال النبي - ﷺ -: "إِنَّ الله تعالى حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَنْ أَدْركتْة هذه الآية وعِندَه مِنْهَا شيء فلا يشربْ ولا يبعْ"، قال: فاستقبل النَّاس بما كان عندهم منها، في طريق المدينة فسفكوها؛ أي أراقوها. رواه مسلم في كتاب المساقاة باب تحريم بيع الخمر ٣/ ١٢٠٥، رقم (١٥٧٨) .
[ ١٢١ ]
لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم، لما كان تقرر عندهم من النَّهي عن إضاعة المال١، فلما لم يفعلوا
_________________
(١) ١ وردت عدة أحاديث في النَّهى عن إضاعة المال، منها: (أ) عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إن الله حَرَّم ثلاثا، ونَهى عن ثلاث حرَّم عُقُوق الوَالد، وَوَأْدَ البنات، ولا، وهات، ونهى عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال". رواه البخاري / كتاب الاستقراض / باب ما ينهى عن إضاعة المال ٢/٥٩. ومسلم/ كتاب الأقضية ٣/ ١٣٤١، رقم (٤ ١) (٥٩٣)، واللفظ له. (ب) عن أبي هريرة﵁-. أن رسول اللهﷺ- قال: "إِنَّ الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعة المال". رواه مسلم/ كتاب الأقضية ٣/ ١٣٤٠، رقم (١٠) (١٧١٥) .
[ ١٢٢ ]
ذلك بل بادروا إلى الإتلاف، علمنا: أنهم فهموا التحريم نَصًّا١، القائل بالتفريق سالكا مسلكا غير سليم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر - ﵁ - بما يوافقه٢، وهو من جعل الله على لسانه وقلبه٣، وسَمِعَه الصحابة﵃-
_________________
(١) ١ فتح الباري ١٠/٩٣. ٢ صنف بعض العلماء رسائل في موافقات، عمر - ﵁ -، منها رسالة بعنوان (نفائس الدرر في موافقات عمر) رأيت نسخة منه في دار الكتب بالقاهرة، وقد كتبها: أبو بكر بن زيد الجراعي الحنبلي، المتوفى سنة (٨٨٣ هـ) . وللسيوطي منظومة في موافقات عمر. مطبوعة ضمن كتاب الحاوي ٢/ ١١٣. ٣ وردت أحاديث تنص على هذا، منها: (أ) عن ابن عمر﵄.- قال: قال رسول اللهﷺ: "إن الله جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ". رواه أحمد في المسند ٢/ ٩٥، وفي فضائل الصحابة ١/ ٢٥٠، رقم (٣١٣) وقال محققه: إسناده حسن، والبغوي في شرح السنة ١٤/ ٨٥، رقم (٣٨٧٥) كتاب فضائل الصحابة، والترمذي/ أبواب المناقب ٥/ ٢٨٠، رقم (٣٧٦٥)، وقال: حسن صحيح غريب، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/٢٥٥، والطبراني في الأوسط ١/ ٢٥٢ رقم (٢٩١)، والهيثمي في مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٦/ ٢٤٥، رقم (٣٦٦٢)، وابن حبان في صحيحه/ كتاب مناقب الصحابة ١٥/ ٣١٨، رقم (٦٨٩٥) . (ب) عن أبي هريرة﵁-- قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". رواه أحمد في المسند ٢/ ٤٠١، وفي فضائل الصحابة ١/٢٥١، رقم (٣١٥)، وقال محققه: إسناده حسن، وابن أيى عاصم في السنة ٢/٥٨١، رقم (١٢٤٧)، وابن حبان في صحيحه /كتاب مناقب الصحابة ١٥/٣١٢، رقم (٦٨٨٩)، والهيثمي قي مجمع البحرين ٦/ ٢٤٥، رقم (٣٦٦١) . (ج) عن أبي ذر﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: "إنَّ الله وضَعَ الحق على لسان عمر يَقُولُ بِهِ". رواه أحمد في المسند ٥/ ١٤٥، وفي فضائل الصحابة ١/ ٢٥١، رقم (٣١٦)، وأبو داود/ كتاب الخراج/ باب تدوين العطاء٣/ ٣٦٥، رقم (٢٩٦٢)، وابن ماجة في المقدمة ١/ ٤٠، رقم (١٠٨)، والبغوي في شرح السنة ١٤/ ٨٥، رقم (٣٨٧٦)، والحاكم ٣/ ٨٦ وصححه، ووافقه الذهبى، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٥٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٣٧٥، رقم (١٨٣٤) .
[ ١٢٣ ]
وغيرهم، فلم يُنقَل عن أحد منهم إنكار ذلك١.
_________________
(١) ١ التمهيد ١/ ٢٥١. وقال ابن قدامة﵀- في المغنى ١٢/ ٤٩٧: وذكر الأثرم أحاديثهم التي يحتجون بها عن النبيﷺ- والصحابة﵃- فضعفها كلَّها، وبيَّن عللها. ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٠/ ٤٣: عن أبي المظفر السمعاني الشافعي (ت ٤٨٩)، أنه قال: ثبتت الأخبار عن النبيﷺ- في تحريم المسكر، ثم ساق كثيرا منها، ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع. قال: وقد زلَّ الكوفيون في هذا الباب، ورووا أخبارا معلولة لا تعارض هذه الأخبار بحال. انتهى.
[ ١٢٤ ]
قال١: وإذا ثبت أن كل ذلك يُسمَّى خمرا لزم تحريم قليله وكثيره. وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك ثم ذكرها٢.
قال٣: وأمَّا الأحاديث التي تمسَّك بها المخالف عن الصحابة، فلا يصح منها شيء على ما قاله عبد الله بن المبارك٤، وأحمد٥،
_________________
(١) ١ المفهم ٣/ ٣/ ٢٧٨. وانظر: فتح الباري ٠ ١/ ٤٩. ٢ المفهم ٣ / ٣/ ٢٧٩. وفتح الباري. الصفحة السابقة. ٣ المفهم. الورقة السابقة، والفتح، الصفحة السابقة. ٤ قال عبد الله بن المبارك﵀-: لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء، ولا عن التابعين، إلا عن إبراهيم النخعي، قال: وقد ثبت حديث عائشة: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فهو حَرَام". انظر قوله في: جامع العلوم والحكم ٤٢١، فتح الباري ١٠/ ٤٣، ٤٩. وانظر حديث عائشة ص ٩٧من هذا الكتاب. ٥ قال الإمام أحمد﵀-: ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح. وقال ابن رجب: أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصح، وقد صنَّف كتاب الأشربة، ولم يذكر فيه شيئا من الرخصة، وصنَّف كتابا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف إنكاره، فقيل له: كيف لم تجعل في كتاب الأشربة الرخصة كماجعلت في المسح؟، فقال: ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح. وانظر: المغنى ١٢/ ٤٩٦، جامع العلوم والحكم لابن رجب ٤٢١، المبدع ٩/١٠١.
[ ١٢٥ ]
وغيرهما١.
وعلى تقدير ثبوت شيء منها فهو محمول على نقيع٢ الزبيب والتمر، من قبل أن يدخل حد الإسكار جمعا بين الأحاديث٣ ٠ انتهى.
قال ابن المنذر٤:
قال: إنَّ الخمر من العنب ومن٥ غير العنب: عمر، وعلي، وسعد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشةرضي الله عنهم٦-.
_________________
(١) ١ من ذلك ما قاله ابن المنذر﵀- في كتاب الاشراف ٢/ ٣٧٧: قال: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة إلى أن قال فأما ما احتج به من روى عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي يسكر كثيره: فللقوم ذنوب يستغفرون الله منها، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين، إما مخطئ أخطأ في تأويل على حديث سمعه، أو رجل أتى ذنبا لعله أن يكثر الاستغفار منه، والنبيﷺ- حجة الله على الأولين والآخرين من هذه الأمة. انتهى. ٢ في (ج): (نقع) . ٣ المفهم ٣/ ٣/ ٢٧٩،. وفتح الباري ١٠/ ٤٩، نيل الأوطار ٨/ ١٧٨. ٤ الإقناع لابن المنذر ٢/ ٦٦٥، الإشراف ٢/ ٣٧٧. وقول ابن المنذر- أيضا- في: فتح الباري، ونيل الأوطار، الصفحات السابقة. (من): أسقطت من (أ) . ٦ انظر أقوالهم في: المصادر السابقة، ومصنف عبد الرزاق ٩/ ٢٣٣-٢٣٤، ومصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٧٥- ٧٦، السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٩٧- ٢٩٨، معرفة السنن والآثار. له ١٣/ ٢٢- ٢٣، المغنى ١٢/ ٤٩٥.
[ ١٢٦ ]
ومن التابعين١: ابن المسيب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جبير، وآخرون٢.
قال: وهو قول مالك٣، والأوزاعي٤، والثوري٥، وابن المبارك٦، والشافعي،٧ وأحمد٨، وإسحاق٩، وعامة١٠ أهل الحديث١١.
_________________
(١) ١ انظر أقوال التابعين في المصادر السابقة. ٢ منهم: الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وطاووس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز ﵏. أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٧٦، السنن الكبرى ٨/ ٢٩٨، المغني ١٢/ ٤٩٥، نيل الأوطار ٨/ ١٧٨. ٣ المنتقى ٣/ ١٤٢، الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٨١، أسهل المدارك ٣/ ١٧٥. ٤ قول الأوزاعي في: فتح الباري ١٠/ ٤٩، نيل الأوطار ٨/ ١٧٨. ٥ قول الثوري في المصدرين السابقين. ٦ قول ابن المبارك في المصدرين السابقين، والتمهيد ١/ ٢٥٥. ٧ الأم ٦/ ١٦٥، كفاية الأخيار ٢/ ١١٥. ٨ المقنع ٣/ ٤٧٦، المذهب الأحمد ١٨٦. ٩ المغني ١٢/ ٤٩٥،، نيل الأوطار ٨/ ١٧٨. ١٠ في (أ): (وعليه أهل الحديث) . ١١ التمهيد ١/ ٢٤٦، المحلى ٧/ ٤٧٨، فتح الباري ١٠/ ٤٩.
[ ١٢٧ ]
قال الحافظ/١ في فتح الباري٢: يمكن الجمع بأن من أطلق الخمر على غير المتخذ من العنب حقيقة، يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية.
وقد أجاب بهذا ابن عبد البر٣، وقال: إن الحكم إنَّما يتعلق٤ بالاسم الشرعي دون اللغوي. انتهى٥.
وأيضا يقال: ما وقع من مبادرة٦ الصحابة إلى إراقة ما لديهم من غير عصير العنب من المسكرات، وعدم استفصالهم٧/ ٨ عن ذلك؛ إما لفهمهم أن الخمر حقيقة في الكل، أو يكون فعلهم - على تقدير أنه حقيقة في البعض مجاز في البعض- دليلا على جواز استعمال اللفظ في جميع معانيه الحقيقية٩. والمجازية؛ لأن النبيﷺ-
_________________
(١) ١ نهاية لوحة (٣) من (أ) . ٢ فتح الباري ١٠/ ٤٩. ٣ التمهيد ١/ ٢٤٥، ونقل قوله- أيضا- المصنف في: نيل الأوطار ٨/ ١٧٨. ٤ في (أ): (تعلق) . ٥ فتح الباري ١٠/ ٤٩. ٦ في (ج): (مبادة) . ٧ في (ج): (استفتائهم) . ٨ نهاية لوحة (٤) من (ج) . ٩ في (ج): (بيان الحقيقية) كذا.
[ ١٢٨ ]
قررهم على ذلك، ولم ينكر عليهم١، فجاز إطلاق الخمر على كل مسكر بذلك، وهو المطلوب، فيكون تحريم كل مسكر ثابتا بنص القرآن٢، كما هو ثابت بنص السنة كما تقدم٣.
وإذا تقرر لك هذا، وعرفت قيامَ الدَّليل على تحريم كل مسكر من غير تقييد، فاعلم أن كل نوع ثبتت،٤ له خاصية الإسكار فهو محرم، من غير فرق بين المائع والجامد، وما كان بعلاج وما كان بأصل الخلقة٥.
والمسكر هو ما حصل به السُّكر، والسُّكر نقيض الصحو٦.
قال في القاموس٧: سَكِرَ كفرِحَ سُكْرًا، وسُكُرًا، وسَكْرًا٨، وسَكَرًا٩،
_________________
(١) ١ انظر الأحاديث هـ ١١٦- ١١٧، ١٢١. ٢ انظر ص ١٠٢،١٠٣. ٣ انظر ص ٩٢. وما بعدها. ٤ في (أ)، (ج): (ثبت) . ٥ المنتقى ٣/ ١٤٧، مغني المحتاج ٤/ ١٨٧، زاد المعاد ٥/ ٧٤٧. ٦ الصحاح ٢/ ٦٨٧، اللسان ٤/ ٣٧٢، مادة (سكر) . ٧ القاموس ٢/ ٥٢. (وسَكْرًا): أسقطت من (أ)، (ج) . (وسَكَرًا): أسقطت من جميع النسخ، وهي في القاموس.
[ ١٢٩ ]
وسَكَرانًا: نقيض صحا. انتهى.
وقد حقَّق معنى السُّكر جماعة من أهل العلم.
* فمنهم من قال١: هو الطرب٢ والنَّشأة.
* ومنهم من قال: هو زوال الهموم، وانكشاف السر المكتوم٣.
* ومنهم من قال بغير ذلك مما هو في الحقيقة راجع إليه٤.
_________________
(١) ١ انظر: بلغة السالك ١/ ٤٧، الشرح الكبير للدردير ١/ ٥٠، حاشية العدوي ٢/ ٣٠٣. ٢ الطرب: الفرح والحزن، وقال بعضهم: خفَّة تعتري الإنسان عند شدة الفرح أو الحزن أو الهم، وقال بعضهم: هو الحركة والشَّوق. ينظر: الصحاح ١/ ١٧١، اللسان ١/ ٥٥٧، القاموس ١/ ١٥١، مادة (طرب)، المصباح ٣٧. ٣ نُقِل هذا عن الشافعي﵀-، وهو قول بعض الحنابلة. وانظر: زهر العريش للزركشي ١٠٣، مغني المحتاج ٣/ ٢٧٩، فتح الوهاب ٢/ ٧٢ الإنصاف ٨/ ٤٣٦. ٤ سيذكر المصنف﵀- بعد قليل تعريف السكر عند أبي حنيفة وصاحبيه، والشافعي نقلا عن كتاب التعريفات. أما تعريف السكر عند المالكية: فقال ابن العربي في كتابه أحكام القرآن ١/ ٤٣٤: السُّكْر: عبارة عن حبس العقل عر التصرف على القانون الذي خلق عليه في الأصل من النظام والاستقامة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (الحجر: من الآية١٥)؛ أي حبست عن تصرفها المعتاد لها، ومنه سَكْر الأنهار، وهو محبس مائها، فكل ما حبس العقل عن التصرف فهو سكر. وقال القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٠٤: وحُكِى عن مالك: إذا تغيَّر عقله عن حال الصحة، فهو سكران. وأما الحنابلة فحد السكران عندهم، هو: من يخلط في كلامه وقراءته، ولا يعرف رداءه من رداء غيره، ولا نعله من نعل غيره، ويسقط تمييزه بين الأعيان؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: من الآية٤٣)، فجعل علامة زوال السُّكر علمَه ما يقول. ينظر: المغني ١٠/ ٣٤٨، المبدع ٧/ ٢٥٣، المطلع ٣٧٣. وقال القاضي أبو يعلى في كتابه الأحكام السلطانية ٢٧٠: حد السُّكر: هو الذي يجمع بين اضطراب الكلام فهمًا وإفهامًا، وبين اضطراب الحركة مشيًا وقيامًا، فيتكلم بلسان منكسر، ومعنى غير منتظم، ويتصرف بحركة مختبط، ومشي متمايل. وقال العلامة ابن القيم- رحمه الله تعالى- في كتابه مدارج السالكين ٣/ ٢٨٧: السُّكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز، فلا يعلم صاحبه ما يقول، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: من الآية٤٣)، فجعل الغاية التي يزول بها حكم السُّكر: أن يعلم ما يقول، فإذا علم ما يقول خرج عن حد السُّكر، قال الإمام أحمد: السكران من لم يعرف ثوبَه من ثوب غيره، ونعله من نعل غيره.
[ ١٣٠ ]
وهو ضعيف لايحتج به١.
ونحوه من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما٢- وفي إسناده عبد الملك بن نافع٣، ابن أخي القعقاع٤.
قال يحيى بن معين٥: هم يضعفونه.
وقال البخاري٦:
_________________
(١) ١ وقد ضعفه جمع من أئمة الجرح والتعديل. فقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وكذا قال ابن معين، وقال أيضا: لا يحتج بحديثه، وقال ابن حزم: ضعيف. وانظر: كتاب المجروحين لابن حبان ٣/ ٩٩، ميزان الاعتدال ٤/ ٤٢٣، المحلى ٧/ ٤٨٤، تهذيب التهذيب ١١/ ٣٢٩. ٢ السنن الكبرى ٨/ ٣٠٥، وأخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الأشربة ٥/ ١١٠، رقم (٢٤٢١٠)، وابن حزم في المحلى ٧/ ٤٨٣، والنسائي/ كتاب الأشربة (المجتبى) ٨/ ٣٢٤. ٣ عبد الملك بن نافع الشيباني، الكوفي، روى عن ابن عمر﵄-، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، والعوام بن حوشب وغيرهما. ترجمته في: الجرح والتعديل ٥/ ٣٧١، ميزان الاعتدال ٢/ ٦٦٢، تهذيب التهذيب ٦/٤٢٧. ٤ هو القعقاع بن شور، ضعيف الحديث، من كبار الأمراء في دولة بني أمية. الجرح والتعديل ٧/ ١٣٧، ميزان الاعتدال ٣/ ٣٩٢، لسان الميزان ٤/٤٧٤. ٥ تهذيب التهذيب ٦/ ٤٢٧، الجرح والتعديل ٥/ ٣٧٢. ٦ التاريخ الكبير للبخاري ٥/ ٤٣٤.
[ ١٤٠ ]
لم يتابع عليه١.
وقال النَّسائي٢: لا يحتج بحديثه.
وكل ما في هذا الباب لا٣ يخلو من ضعف، حتى٤ قال إسحاق بن راهويه: سمعت عبد الله/٥ بن إدريس الكوفي٦، يقول: قلت لأهل الكوفة: يا أهل الكوفة، إنما حديثكم الذي تحدثونه في النَّبيذ عن العميان والعوران٧، أين أنتم من أبناء المهاجرين
_________________
(١) ١ المتابعة: موافقة الراوي لراو آخر برواية حديث عن شيخه أو عن شيخ شيخه. ٢ سنن النسائي (المجتبى) ٨/ ٣٢٤. ٣ في (أ): (فلايخلو) . (حتى) أسقطت من (أ) . ٥ نهاية لوحة ٤ من (أ) . ٦ عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، أبو محمد الكوفي، الحافظ، المقرئ، أحد أعلام المحدثين، أراد الرشيد توليته قضاء الكوفة فامتنع، قال عنه الإمام أحمد: كان نسيج وحده، وقال أبو حاتم: حديثه حجة، وهو إمام من أئمة المسلمين، مات سنة (١٩٢هـ) . وقد ذكر الذهبي له أبياتا في تحريم المسكر، يقول: كُلُّ شراب مُسْكِرٍ كَثِيرُهُ فَإِنَّهُ محرمٌ يسيرُهُ إني لكم من شَرِّهِ نَذِيرُهُ وانظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٥/ ٨، بحر الدم ٢٣١، سير أعلام النبلاء٩/ ٤٢. ٧ في السنن ٨/ ٣٠٦، زيادة: (والعمشان)، والأعمش: الذي يسيل دمع عينه في معظم الأوقات مع ضعف بصره.
[ ١٤١ ]
والأنصار١
وأيضا: هذه الأحاديث لا تدل على مطلوبهم، فإنَّ كسر٢ النبيذ لا يتعيَّن أن يكون لأجل الشدة المستلزمة للسُّكر، فإنه قد يكون الكسر٣ لاشتداد٤ الحلاوة أو٥ الحموضة، ومع الاحتمال لا ينتهض للاستدلال على فرض تجرده عن المعارض، فكيف إذا كان ذلك الضعيف٦، معارضًا، بالأحاديث الصحيحة الكثيرة، القاضية بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام كما تقدم٧.
فإذا٨ كان الكثير من الزَّعفران٩، والجوز الهندي١٠، ونوع من القات١١، يبلغ بمستعمله إلى السُّكر حرم عليه قليله كمايحرم
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في السنن الكبرى/ كتاب الأشربة والحدِّ فيها/ باب ما جاء في الكسر بالماء ٨/ ٣٠٦، وانظر: الأشربة لابن قتيبة ٥٣. ٢ في (ج): (كثير) . ٣ في (ج): (السكر) .. ٤ في (ج): الاستلذاذ) . ٥ في (ج): (والحموضة) . ٦ في (أ): (الضَّعف) . ٧ انظر ص ٩٧. ٨ في (ج): (وإذا) . ٩ انظر ص ١٥٢. ١٠ انظر ص ١٥٩. ١١ انظر ص ١٦٨، ١٧٠.
[ ١٤٢ ]
عليه كثيره.
وإذا كان/١ يؤثر ذلك التأثير مع بعض المستعملين له دون البعض الآخر؛ كان التحريم مختصَّا بمن٢ يحصل معه ذلك٣ الأثر دون من، عداه.
فإن قيل: إن هذه الأمور المذكورة إنما يحصل بها التفتير دون السُّكر.
فيقال: إن بلغ هذا التفتير إلى حد. السُّكر كما يحصل من أكل الشيشة وشربها، فلا نزاع في أن ذلك من المحرمات. وإن لم يبلغ إلى ذلك الحد، بل مجرد التفتير، فقد ورد ما يدل على تحريم كل مُفَتِّر٤.
فأخرج أبو داود٥، عن أم سلمة - ﵂- قالت:
_________________
(١) ١ نهاية لوحة (٥) من (ج) . (بمن): أسقطت من (ج) . (ذلك): أسقطت من (أ) . ٤ فيض القدير ٦/ ٣٣٨، سبل السلام ٤/ ١٣٢١، عون المعبود ١٠/ ١٢٧، بلوغ الأماني ١٧/ ١٣١- ١٣٢. ٥ السنن/ كتاب الأشربة/ باب النَّهي عن المسكر ٤/٩٠، رقم (٣٦٨٦) . وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة/ كتاب الأشربة/ باب النهي عن المسكر ٥/ ٦٧، رقم (٢٣٧٤٦)، وأحمد في كتاب الأشربة ٢٦، رقم (٤)، وفي المسند ٦/ ٣٠٩، والطَّحاوي في شرح معاني الآثار/ كتاب الأشربة/ باب ما يحرم من النبيذ ٤/ ٢١٦، والبيهقي في السنن الكبرى/ كتاب الأشربة/ باب ما أسكركثيره فقليله حرام ٨/ ٢٩٦ وصححه السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ١٩٣، وتبعه الألباني في: صحيح الجامع ٢/١١٧٠، رقم (٦٩٧٧)، وسيتكلم المصنف عن درجة الحديث.
[ ١٤٣ ]
نهى رسول اللهﷺ - عن كل مسكر/١ ومفتِّر.
وهذا حديث صالح للاحتجاج به لأن أبا داود٢ سكت عنه٣، وقد روي عنه أنَّه لا يسكت إلا عن ما هو. صالح للاحتجاج٤.
وصرح بمثل ذلك جماعة من الحفاظ، كابن٥ الصلاح ٦،
_________________
(١) ١ نهاية ل (٣) من (ب) . ٢ سنن أبي داود ٤/ ٩٠. ٣ في (أ) (عليه) . ٤ ذكر ذلك أبو داود في رسالته إلى أهل مكة. ونقل ذلك عنه جماعة من العلماء، انظر: رسالة أبي داود إلى أهل مكة ٢٧. ٥ قول ابن الصلاح في: مقدمته ١٨. ٦ هو العلامة، عثمان بن عبد الرحمن صلاح الدين عثمان الشهرزوري، الموصلي، الشافعي، أحد كبار الحفاظ، ومن أبرز علماء التفسير، والفقه، وأسماء الرجال، من مصنفاته كتابه المشهور ب (مقدمة ابن الصلاح)، (شرح الوسيط) مات سنة (٦٤٣ هـ) . ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٢٤٣، سير أعلام النبلاء٢٣/ ١٤٥، الأعلام ٤/ ٢٠٧.
[ ١٤٤ ]
وزين١ الدِّين٢، والنووي٣، وغيرهم٤.
وإذا أردنا الكشف عن حقيقة رجال إسناده، فليس فيهم من هو متكلم عليه إلا شهر بن حوشب٥. وقد اختلف في شأنه أئمة الجرح والتعديل، فوثقه الإمام٦ أحمد،
_________________
(١) ١ قول زين الدين العراقي في كتابه: شرح ألفية العراقي، المعروف بالتبصرة والتذكرة ١/ ٩٥. ٢ هو الحافظ، عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين العراقي، من أشهر علماء الحديث، وكان صالحا، خَيِّرا، ورعا، عفيفا، من المكثرين في التصنيف، من أشهر مصنفاته: (ألفية الحديث وشرحها)، (التحرير) في أصول الفقه، (التقييد والإيضاح) . مات بالقاهرة سنة (٨٠٦ هـ) . ترجمته في: طبقات الحفاظ للسيوطي ٥٤٣، هدية العارفين ١/ ٥٦٢، الأعلام ٣/ ٣٤٤. ٣ قول الإمام النووي في كتابه: التقريب ١/ ١٦٧. ٤ انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر ١/ ٤٣٦، تدريب الراوي ١/ ١٦٧، توضيح الأفكار للصنعاني١/ ١٩٧. ٥ هو شهر بن حوشب، أبو سعيد الأشعري الشامي، مولى الصحابية أسماء بنت يزيد الأنصارية، من كبار علماء التابعين. مات سنة (١٠٠هـ) . ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/ ٣١٢، تهذيب التهذيب ٤/ ٣٦٩، الأعلام ٣/ ١٧٨. ٦ قال عنه الإمام أحمد - ﵀ -: شهر ثقة، ما أحسن حديثه، وقال مرة: ليس به بأس، وقال الدارمي: بلغني أن أحمد بن حنبل كان يثني على شهر بن حوشب. انظر أقوال الإمام أحمد في: تهذيب الكمال ١٢/ ٥٨٤، سير أعلام النبلاء٤/ ٣٧٤، ميزان الاعتدال ٢/ ٢٨٤، بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم ٢٥٧، تهذيب التهذيب ٤/ ٥ ٣٧- ١ ٣٧.
[ ١٤٥ ]
ويحيى بن معين١، وهما إماما الجرح والتعديل٢، ما اجتمعا على توثيق رجل إلا وكان ثقة، ولا على تضعيف رجل إلا وكان
_________________
(١) ١ وقال عنه يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: ثبت. وانظر أقواله في: تهذيب الكمال ١٢/ ٥٨٤، ٥٨٥، سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٧٤، ميزان الاعتدال ٢ ١ ٢٨٤، الجرح والتعديل ٢/ ٣٨٣، تهذيب التهذيب ٤/ ٣٧١. قلت: قال البخاري: حسن الحديث، وقال العجلي، ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وقال الذهبي: الرجل غير مدفوع عن صدق وعلم، والاحتجاج به مترجح. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: لا يحتج به، وكذا قال أبو حاتم، وضعفه ابن سعد، والله أعلم بحاله. وانظر: المصادر السابقة في الحاشيتين السابقتين، والضعفاء للنسائي ٢٩٤، والكامل لابن عدي ٤/ ١٣٥٨ والمعرفة والتاريخ ليعقوب ٢/ ٩٧- ٩٨. ٢ مقدمة كتاب الجرح والتعديل ٢٩٢، ٣١٤، سير أعلام النبلاء١١/ ٨١- ٨٢، ١٩٦- ١٩٧. قال الذهبي: في سير أعلام النبلاء ١١/ ٨٢: ونحن لا نَدَّعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل، لكن هو) أكثر النَّاس صوابا، وأندرهم خطأ، وأشدهم إنصافا، وأبعدهم عن التحامل، وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح، فتمسَّك به، واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه فتندم.
[ ١٤٦ ]
ضعيفا١.
فأقل أحوال حديث شهر المذكور أن يكون حسنا٢.
والترمذي يصحح حديثه؛ يعرف ذلك من له ممارسة لجامعه٣.
قال ابن رَسلان٤ في شرح السنن٥:
والمفتر - بضم الميم، وفتح الفاء، وتشديد المثناة فوق
_________________
(١) ١ نقل هذا صاحب عون المعبود ١٠/ ١٤٧ عن المصنف. ٢ وكذا ذكر العراقي، وابن حجر أن إسناد هذا الحديث صحيح، وصححه السيوطي. وانظر: فيض القدير ٦/ ٣٨٨، فتح الباري ١٠/ ٤٤، الجامع الصغير للسيوطي ٢/ ١٩٣. بلوغ الأماني ١٧/ ١٣٢. ٣ عون المعبود ١٠/ ١٤٧. ٤ أحمد بن حسين بن حسن بن أرسلان- بالهمزة، وقد تحذف في الأكثر- أبو العباس، الرملي الشافعي، المشهور بابن رسلان، كان زاهدا، ورعا، من مصنفاته: منظومة في الفقه (الزُبَد)، (شرح سنن أبي داود- خ)، (طبقات الشافعية)، (تصحيح الحاوي) مات بالقدس سنة (٨٤٤ هـ) . ترجمته: في البدر الطالع ١/ ٤٩، هدية العارفين ١/ ١٢٦، الأعلام١/ ١١٧. ٥ قوله في: عون المعبود ٠ ١/ ١٢٨،، انظر: بذل المجهود ١٦/ ٢٢.
[ ١٤٧ ]
المكسورة، ويجوز فتحها، ويجوز تخفيف التاء مع الكسر- وهو كل شراب يورث الفتور والخدر في أطراف الأصابع، وهو مقدمة السكر١انتهى.
قال في النهاية٢:
المفتر: الذي إذا شُرِب أحمى الجسد، وصار فيه فتور، وهو: ضعف وانكسار.
يقال: أفتر الرجل فهو مُفتَّر: إذا ضعفت جفونه، وانكسر طرفه، فإما أن يكون، أفتره بمعنى فَتَره أي جعله فاترا.
وإما أن يكون أفتر الشراب، إذا فتر صاحبه٣، كأقطف الرجل، إذا قطفت٤ دابته٥.
ويقتضي هذا سكون الفاء، وكسر المثناة فوق مع التخفيف٦.
وقال الخطابي٧:
_________________
(١) ١ اللسان ٥/ ٤٣، مادة (فتر) . ٢ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٤٠٨ (فتر) . ٣ في النهاية: (شاربه)، وهو موافق لما في: اللسان ٥/ ٤٣ (فتر) . ٤ يقال: دابة قطوف أي: بطيئة السير، ضيِّقة الخطو. اللسان: ٩/ ٢٨٦، الصحاح ٤/ ١٤١٧، مادة (قطف) . ٥ كلام ابن الأثير إلى هنا. الصفحة السابقة. ٦ عود المعبود ١٠/ ١٢٧. ٧ معالم السنن ٤/ ٢٦٧، وفيه (الأطراف)، بدل (الأعضاء)، وزاد بعدها: وهو مقدمة السكر.
[ ١٤٨ ]
المفَتِّر: كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء.
قال في القاموس١:
فتر يفتُر ويَفْتِرُ٢ فُتُورًا وفُتَارًا٣: سكن بعد حِدَّه، ولان بعد شِدَّة، وفَتَّره٤ تفتيرًا، وفتر الماء، سكن حَرُّه، فهو فاتر وفاتور، [والشيء كالَه بفِتْرِه] ٥، وجسمه فتورا لانت مفاصلُه وضَعُفَ. والفَتَرُ- محرّكة- الضعف.
قال: والفُتَار كغُراب: ابتداء النَّشوة، وطَرْف فاتِر: ليس بحاد النَّظر.
قال: وأفتر؛ ضَعَفت جفونُه، وانكسر٦ طَرْفه، والشراب فَتَر شاربه. انتهى.
وعطف المفتِّرِّ على المسكر يدل على أنه غيره٧ لأن العطف
_________________
(١) ١ القاموس المحيط ٢/ ١١٠- ١١١، مادة (فتر) . (ويَفْتِر): زيادة من القاموس. ٣ في (أ): (وإفتارا) . ٤ في (أ): (وفَتَّر) . ٥ ما بين الحاصرتين زيادة من القاموس (وكالَه): قدَّره، (بفتره): يقال شَبَره، إذا كاله وقدَّره بشبره، والشبر: مابين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر. وانظر: تاج العروس ٣/ ٤٦٢- ٤٦٣، مادة (فتر)، والقاموس ٢/ ٥٦، مادة (شبر) . ٦ في القاموس: فانكسر. ٧ عون المعبود ١٠/ ١٢٨. ذُكِرِ أنَّ رجلا من العجم قدم القاهرة، وطلب الدليل على تحريم الحشيشة، وعُقِدَ لذلك مجلس حضره علماء العصر، فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بهذا الحديث فأعجب من حضر. انظر هذا في: فيض القدير ٦/ ٣٣٨، عون المعبود ١٠/ ١٢٧، بلوغ الأماني ١٧/١٣١.
[ ١٤٩ ]
يقتضي المغايرة١.
قال ابن رسلان٢: فيجوز حمل المسكر علي الذي فيه شدة مطربة، وهو محرم يجب فيه الحد، ويحمل المفَتِّر على النبات كالحشيش الذي يتعاطاه السفلة. وقد نقل الرافعي٣، والنووي٤ في باب الأطعمة
_________________
(١) ١ انظر: مغنى اللبيب لابن هشام ٤٦٣، شرح المفصل لابن يعيش ٩٥/٨. ٢ قوله في: عون المعبود ١٠/ ١٢٨. ٣ عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي، القزويني، شيخ الشافعية في زمانه، كان بارعا في العلوم الدينية أصولها وفروعها، زاهدا، متواضعا. من مصنفاته (فتح العزيز شرح الوجيز) لا يزال معظمه مخطوطا، (التدوين في ذكر أخبار قزوين) (المحرر)، مات سنة (٦٢٣ هـ) . ترجمته في: طبقات الشافعية لابن السُّبكى ٨/٢٨١، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٦٤، الأعلام ٤/ ٥٥. ٤ في (أ)، (ب) (النواوي)، ويجوز كتابتها كما أثبتها، وقد كان يكتبها بغير الألف. وانظر: الأعلام ٨/ ١٥٥.
[ ١٥٠ ]
عن الروياني١: أن النبات الذي يُسْكر وليس فيه/٢ شدة مطربة يحرم أكله، ولا حدَّ فيه٣.
قال ابن رسلان٤: ويقال: إن الزعفران يسكر إذا استعمل مفردا، بخلاف ما إذا٥ استهلك في الطعام.
وكذا البنج شرب القليل من مائه٦ يزيل العقل، وهو حرام، إذا أزال العقل، لكن لا حدَّ فيه٧ ٠ انتهى.
_________________
(١) ١ عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد الروياني، أبو المحاسن، الفقيه الشافعي، كان من كبار الفقهاء، وبلغ من تمكنه في الفقه الشافعي، أنه قال: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي. من مصنفاته: (بحر المذهب- خ)، (الكافي)، (حلية المؤمن)، قتل سنة (٥٥٢ هـ) . ترجمته في: تهذيب الأسماء٢/ ٢٧٧، وفيات الأعيان ٣/ ١٩٨، الأعلام ٤/ ١٧٥. ٢ نهاية لوحة (٥) من (أ) . ٣ روضة الطالبين ٣/ ٢٨٢، المجموع ٩/ ٣٧، مغني المحتاج ٤/ ١٨٧. ٤ قوله في: عون المعبود ١٠/ ١٢٨. (ما): أسقطت من (أ) . ٦ في (أ)، (ج): (القليل منه)، وما أثبتُّه من (ب)، وهو موافق لقول ابن رسلان. ٧ أي إذا لم يصل إلى حد السكر، فإن أسكر ففيه الحد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما تعاطي البنج الذي لم يسكر فهو حرام باتفاق المسلمين، وفيه التعزير، فإن أسكر ففيه الحد. وانظر: حاشية ابن عابدين ٦/ ٤٨٦، مواهب الجليل ١/ ٩٠، نهاية المحتاج ٨/ ١٢، مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٤/ ٢١٤، السياسة الشرعية لابن تيمية ١٢٨. والبنج: بكسر الباء وفتحها، نبات يسمى (الشيكران) أو (السيكران)، مُخَبِّط للعقل، مجنِّن، مسكن لأوجاع الأورام. وانظر: القاموس المحيط ١/ ١٨٦) مادة (بنج)، و٢/ ٦٥، مادة (سكر) .
[ ١٥١ ]
وإذا ثبت أن الزعفران مسكر إذا استعمل مفردا كما ذكره، فيحرم استعماله مخلوطا١ بغيره من الأطعمة وغيرها، لما تقدم أن: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُه فَقَلِيلُه حَرَامٌ"٢. سواء كان مفردا أو مختلطا بغيره، وسواء كان يقوى على الإسكار بعد الخلط أو لا يقوى.
وأما إذا لم يكن الزعفران ونحوه من جنس المسكرات٣، بل من جنس المفتِّرات، فلا يحرم منه إلا ما وجد فيه ذلك المعنى، أعني: التفتير بالفعل.
_________________
(١) (مخلوطا): أسقطت من (ج) . ٢ نص حديث، سبق تخريجه ص ٩٨. ٣ الصواب: أن الزعفران لا يصح إدراجه في قائمة المسكرات أو المخدرات، إذ لا يحصل لمستعمله تغطية للعقل كلية ولا جزئية، بل ثبت- في الطب الحديث- أن المستخلص المائي لأزهار نبات الزعفران، يستخدم في طرد الديدان المعدية والمعوية، وأن الزعفران يحمل على تهدئة الجسم، وتنشيط الإدرار البولي، وإفراز العَرَق، وأنَّه يجلو البصر، ويقوي الأعصاب، وينشط القلب. غير أن بعض الأطباء المعاصرين، نصوا على أن كثرة استعماله يمكن أن يؤدي إلى تشنجات في المعدة أو إلى نزيف داخلي. وانظر: عون المعبود ١٠/ ١٣٣، ١٣٤، مجلة البحوث الإسلامية ع ٢٣، صح٥٥، النباتات والأعشاب الطبية ٤٣٧، معجم النباتات الطبية ٥٨، النباتات السعودية المستعملة في الطب الشعبي ٧١ التداوي بالأعشاب والنباتات ١٠٣.
[ ١٥٢ ]
ولا يحرم القليل منه كما يخلط بين بعض الأطعمة؛ وذلك لأن النبي ﷺ حرم المفتر، ولم يقل: ما أفتر كثيره فقليله حرام.
اللهم إلا أن يقال: يحرم قليل المفَتِّر قياسا على قليل المسكر، بجامع تحريم الكثير من كل واحد منهما، ولكن هذا إنما يتم بعد تصحيح هذا القياس، وعدم وجود فارقٍ يقدح في صحته.
قال الإمام المهدي١ في البحر٢ مالفظه:
وما أسكر بأصل الخِلْقة كالحشيشة، والبنج، والجوزة فطاهر٣،
_________________
(١) ١ أحمد بن يحيى بن المرتضى الحسني، من أئمة الزيدية في اليمن، من مصنفاته: (البحر الزَّخَّار)، (الأزهار)، (رياضة الأفهام) . مات سنة (٨٤٠ هـ) . ترجمته في: البدر الطالع ١/ ١٢٢، هدية العارفين ١/ ١٢٥، الأعلام ١/ ٢٦٩. ٢ البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار: ٢/ ١١. ٣ وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في كل ما ذكره المصنف، إلا الحشيشة فإن الصحيح عند الحنابلة أنها نجسة، وقيل: طاهرة، وقيل نجسة إن أميعت وإلا فلا، وقيل: رطبها نجس، ويابسها طاهر. وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - القول بنجاستها على أي حال كانت، فقال ﵀: والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع - أي جميع أحوال الحشيشة -كما تتناول النجاسة جامد الخمر ومائعها، فمن سكر من شراب مسكر، أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو، ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول، ولابد أن يغسل فمه، ويديه، وثيابه في هذا وهذا وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٤/ ٢٠٦، حاشية ابن عابدين ١٤- ٤٦ السهام المريشة ٦٣، الشرح الصغير ١/ ٤٧، مغنى المحتاج ١/ ٧٧، الإنصاف ١/٣٢٠- ٣٢١.
[ ١٥٣ ]
وعن بعضهم: نجس، قلت: وهو القياس/١ إن لم يمنع إجماع. انتهى.
فهذا الكلام يدل على أنَّ الأمور المذكورة مسكرة، وهكذا، يدل على ذلك قوله﵀- في الأزهار٢:
والمسكر وإن طبخ إلا الحشيشة، والبنج ونحوهما.
وفسَّره شارحه٣ بالجوز الهندي٤،
_________________
(١) ١ نهاية لوحة (٦) من (ج) . ٢ متن الأزهار ص ٥. ٣ الشارح هنا هو: عبد الله بن أبى القاسم، أبو الحسن بن مفتاح، من فقهاء الزيدية، وكتابه الذي يشير إليه المصنف، اسمه: المنتزع المختار من الغيث المدرار. توفي الشارح سنة (٨٧٧ هـ) . ترجمته في: البدر الطالع ١/ ٣٩٤، الأعلام ٤/ ١١٤. ٤ شرح الأزهار ١/ ٣٦.
[ ١٥٤ ]
والقِرِّيط١.
وظاهر الاستثناء من المسكر أنَّ الحشيشة وما معها مسكرة٢.
وقال الجلال٣ في ضوء النهار٤:
إنه استثناء منقطع؛ لأن المذكورات لا تسكر، وإنما تخدِّر، أو تفتِّر لأن السُّكر عبارة عن الطرب المثير للنخوة٥، ولو كانت من المسكر٦ لافتقر تخصيصها إلى دليل شرعي. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر٧- مجيبا على من قال: إن الحشيشة ليست بمسكرة بل مخدِّرة-: إن ذلك مكابرة؛ لأنَّها تحدث ما يحدث الخمر من الطرب، والنَّشأة. انتهى.
وعلى الجملة أنه إذا سُلِّم أنها غير مسكرة فهي مفتِّرة، وكل
_________________
(١) ١ القريط: الأفيون. ٢ انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٤/ ٢٠٤، السهام المريشة ٥٢، زهر العريش ١٠٢، مواهب الجليل ١/ ٩٥. ٣ الحسن بن أحمد بن محمد بن علي، العلوي، المعروف بالجلال، من فقهاء الزيدية، من مصنفاته: (شرح الفصول)، (شرح الكافية)، مات سنة (١٥٨٤هـ) . البدر الطالع ٢/ ١٩١، هدية العارفين ١/ ٢٩٥، ١لأعلام ٢/ ١٨٢. ٤ اسم الكتاب: ضوء النهار، المشرق على صفحات الأزهار، وهو شرح لمتن (الأزهار) . للمهدي في فقه الزيدية. ٥النخوة ة الكبر، والعظمة، والفخر. ٦ في (أ): (ولو كانت مسكرة) . ٧فتح الباري لابن حجر: ١٠/ ٤٥.
[ ١٥٥ ]
واحد من الأمرين يقتضى تحريمها.
وقد حكى القرافي١ ٢، وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة٣، وقال: ومن استحلها فقد كفر٤.
قالا: وإنما لم يتكلم فيها الأئمة، الأربعة، لأنها لم تكن في زمانهم، وإنما ظهرت في آخر المائة السادسة، وأول المائة السابعة حين ظهرت دولة التتار٥
_________________
(١) ١ ورد في النسخ الثلاث (الفرياني) وهو تصحيف من الناسخ، وما أثبته هو الصواب، وقد عزاه للقرافي من نقل ذلك عنه من المصنفين، في كتبهم التالية: زهر العريش للزركشى ١١٩، الزواجر لابن حجر ١/ ٣٥٤، حاشية ابن عابدين ٦/ ٤٨٧، السهام المريشة ٦٠، الروض النَّضير ٣/ ٣٦٤، عون المعبود ١٠/ ١٣٥، تحذير الثقات ٢٣٣. ٢ أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس الصنهاجي، القرافي أحد أشهر علماء المالكية، انتهت إليه رئاسة، الفقه على مذهب مالك في مصر. من مصنفاته: (الفروق)، (الذخيرة)، (شرح تنقيح الفصول)، مات بمصر سنة (٦٨٤ هـ) . ترجمته في: الديباج المذهب ٦٢، هدية العارفين ١/ ٩٩، الأعلام ١/ ٩٤. ٣ الفروق للقرافي ١/ ٢١٦، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٤/ ٢٠٤، ٢٠٥،٢١٠، ٢١١، اختيارات ابن تيمية ٥١٤، السياسة الشرعية لابن تيمية ١٢٨- ١٣١. ٤ مجموع الفتاوى ٣٤/ ٢٠٤، الدر المختار ٦/ ٤٨٧. ٥ حدَّد الزركشي أول ظهور الحشيشة سنة (٥٥٠ هـ) تقريبا، وقطع المقريزي بأن ظهورها كان سنة (٦٠٨ هـ)، وقال بعضهم: إن ظهورها كان سنة (٤٨٣ هـ) . والله أعلم. وانظر: المصادر السابقة، وزهر العريش للزركشي ٩٠، خطط المقريزي ٢/ ٥١٧، والسهام المريشة ٢٦، الكبائر للذهبي ١٤٦- ١٤٧.
[ ١٥٦ ]
وذكر ابن تيمية في كتاب السياسة١ ٢: أن الحدَّ واجبٌ في الحشيشة كالخمر٣.
وحكى الماوردي٤: أن النَّبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيه الحد٥.
_________________
(١) ١في (ج): (السياسية) . ٢ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية: ١٢٨. ٣ وقال﵀-: يجلد صاحبُها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر، من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد، والخمر أخبث، من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة، والمقاتلة، وكلاهما يصدُّ عن ذكر الله﷿- وعن الصلاة. انظر: السياسة الشرعية. الصفحة السابقة. ٤ علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي، الشافعي، كان حافظا لمذهب الشافعي، له مصنفات كثيرة في كل فن، منها: (الحاوي)، (الأحكام السلطانية)، (الإقناع)، (أعلام النبوة) . مات ببغداد سنة (٤٥٠ هـ) . ترجمته في: تاريخ بغداد ١٢/ ١٠٢، وفيات الأعيان ٣/ ٢٨٢، طبقات الشافعية لابن السبكي ٥/ ٢٥٧. ٥ قول الماوردي في كتابه: الحاوي ١٥/ ١٧٨.
[ ١٥٧ ]
وقال ابن البيطار١- وإليه انتهت الرئاسة في معرفة خواص النَّبات٢-:
إن الحشيشة مسكرة جدًّا، إذا. تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين٣، أخرجته إلى حدِّ الرعونة٤، وقد استعملها قوم فاختلت عقولهم٥.
وقال ابن دقيق العيد٦ في
_________________
(١) ١ عبد الله بن أحمد المالقي، ضياء الدين، الشهير بابن البيطار، عالم النبات والحشائش والأعشاب، وإليه انتهت معرفتها، حتى كان الحجة في معرفة أنواع النبات وتحقيقه، وصفاته، وأسمائه وأماكنه، من مصنفاته: (الأدوية المفردة)، (ميزان الطبيب،) . (المغني في الأدوية المفردة)، مات بدمشق سنة (٦٤٦ هـ) . ترجمته في: سير أعلام النبلاء٢٣/ ٢٥٦، هدية العارفين ١/ ٤٦١، الأعلام ٤/ ٦٧. ٢ المصادر السابقة. ٣ قدر الدرهم ما يعادل (١٧١،٣ غراما) . وانظر: معجم لغة الفقهاء ٢٠٨. ٤ الرعونة: الحمق والاسترخاء، الصحاح ٥/ ٢١٢٤ (رعن) . ٥ قول ابن البيطار في كتابه: الجامع لمفردات الأدوية والأغذية: ٢/ ٢٢. ٦ هو محمد بن علي بن مطيع، تقي الدين ابن دقيق العيد الشافعي، من كبار علماء الفقه، والأصول، والحديث، من. مصنفاته: (إحكام الأحكام)، (الاقتراح في بيان الاصطلاح)، مات بالقاهرة سنة (٧٠٢ هـ) . ترجمته في: طبقات الشافعية لابن السبكي ٢/٦، هدية العارفين ٢/ ١٤٠، البدر الطالع ٢/ ٢٢٩.
[ ١٥٨ ]
الجوزة١: إنها مسكرة٢.
ونقله عنه المتأخرون من الحنفية٣،
_________________
(١) ١ هى جوزة الطيب: نبات طبيعي يخرج من شجرة كبيرة، دائمة الخضرة، من فصيلة الجوزيات، وينتشر هذا النوع من النبات في شبه القارة الهندية، وحين تنضج تماما تتفتح الأغشية، وتظهر البذرة البنيَّة البراقة مغطاة بغشاء أحمر فاقع، وتبدو النواة داخل البذرة، وهي التي تسمى جوزة الطيب، وتستعمل عن طريق الاستحلاب داخل الفم، أو تذاب في المشروبات، أو تستنشق عن طريق الفم بعد سحقها، وقد ثبت طبيا أن (جوزة الطيب) مادة منبهة، وإذا أخذت بكميات كبيرة فإنها سامة، وتثير المعدة، وتؤدي إلى القئ، وفقدان الوعي، والتشنجات، ونشافة الفم، وسرعة نبضات القلب، واحمرار الوجه. وقد نص الفقهاء على تحريم تناولها، وجعلوها في عداد المسكرات والمخدرات، بل ذهب بعضهم إلى أن جوزة الطيب أشد حرمة من الحشيش المتفق على تحريمه، وجعلوه مقيسا عليها، ونقل بعضهم إجماع الأئمة الأربعة على أنها من المسكرات. وانظر: تحفة المحتاج ١/ ١٦٨، الدر المختار ٦/ ٤٨٧، زهر العريش ١٢٤، الزواجر ١/ ٣٥٦، تحذير الثقات ٢٢٩، السهام المريشة ٥٥، التداوي بالأعشاب ٩٣، المخدرات والعقاقير ١٦٠، المخدرات والمؤثرات العقلية ٩٥، واضح البرهان ٩٧، عون المعبود ١٠/ ١٢٨. ٢قول ابن دقيق العيد في: الزواجر ١/ ٣٥٥، تحذير الثقات. الصفحة السابقة، عون المعبود ١٠/ ١٣٤. ٣الدر المختار. الصفحة السابقة.
[ ١٥٩ ]
والشافعية١، والمالكية٢، واعتمدوه٣.
وذكر ابن القسطلاني٤ في: تكريم٥
_________________
(١) ١ تحفة المحتاج ٩/ ١٦٨، زهر العريش، الزواجر، تحذير الثقات. الصفحات السابقة. ٢ انظر: مواهب الجليل ١/ ٩٥، حاشية العدوي على شرح الخرشي ١/ ٨٤. ٣ تحذير الثقات، والزواجر. الصفحات السابقة. ٤ محمد بن أحمد بن علي القيسي، أبو بكر القسطلاني، أحد علماء الحديث ورجاله، من مصنفاته: (مدارك المرام في مسالك الصيام)، (الإفصاح عن المعجم من الغامض والمبهم) في الأسانيد، مات بالقاهرة سنة (٦٨٦ هـ) . ترجمته في: طبقات الشافعية لابن السبكي ٥/ ١٨، هدية العارفين ٢/ ١٣٥، الأعلام ٥/ ٣٢٣. ٥ [تكريم المعيشة في تحريم الحشيشة]، رسالة كتبها القسطلاني في تحريم الحشيشة، وبيان مضارها، ثم إن الحسن بن محمد العكبري (ت ٦٩٥ هـ)، كتب رسالة أخرى ردَّ فيها على رسالة القسطلاني، ومدح فيها الحشيشة، ثم إن القسطلاني كتب رسالة ثانية، رد فيها على العكبري، وسماها [تتميم التكريم لما في الحشيشة من التحريم]، وقد طبعت هذه الرسالة الأخيرة، أما رسالة (تكريم المعيشة) فهي مخطوطة، وفي مكتبتي مصورة منها، وقد ذكر لي الدكتور ياسين الخطيب أنه فرغ من تحقيقها. وانظر: كشف الظنون ١/ ٤٧٠: ٧٣٧، ٢/ ١٠٠٩، الأعلام هـ/ ٣٢٣ مقدمة رسالة: تتميم التكريم ٣٠.
[ ١٦٠ ]
المعيشة١، أن الحشيشة ملحقة بجوزة الطيب٢، والزعفران٣، والأفيون٤، والبنج، وهذه من المسكرات المخدرات.
وقال الزركشي٥ ٦: إن هذه الأمور المذكورة تؤثر في متعاطيهآ، المعنى: الذي يدخله في حر السكران٧، فإنهم قالوا٨: السكران: هو الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
وقال بعضهم٩: هو الذي لا يعرف السماء من الأرض، ثم
_________________
(١) ١قول القسطلاني في رسالته: تكريم المعيشة ورقة [٣٦]،، ونقل قوله هذا صاحب عون المعبود: ١٠/ ١٢٩. ٢ انظر: ص ١٥٩ من هذا الكتاب. ٣ انظر: ص ١٥٢ من هذا الكتاب. ٤ انظر: ص ١٥١ من هذا الكتاب. ٥ محمد بن بهادر بن عبد الله المنهاجي، أبو عبد الله بدر الدين الزركشي، الشافعي، من كبار الفقهاء، عالم بالأصول، من مصنفاته الكثيرة: (إعلام الساجد بأحكام المساجد)، (الديباج في توضيح المنهاج)، (لقطة العجلان)، مات بمصر سنة (٧٩٤ هـ) . ترجمته في: هدية العارفين ٢/ ١٧٤، شذرات الذهب ٦/ ٣٣٥، الأعلام ٦/ ٦٥. ٦قول الزركشي في كتابه: زهر العريش في تحريم الحشيش ١٠٣. ٧ في (أ): (السكر) . ٨ سبق الكلام على حد السكر ص ١٢٩. ٩ سبق الكلام على حد السكر ص ١٢٩.
[ ١٦١ ]
نقل عن القرافي١ الخلاف في ذلك٢
قيل٣: والأولى أن يقال: [إن أريد بالإسكار تغطية العقل، فهذه كلها صادق عليها معنى الإسكار و] ٤ إن أريد بالإسكار تغطية العقل مع الطرب فهي خارجة عنه، فإنَّ إسكار الخمر يتولد منه النَّشأة، والنَّشاط، والطرب، والعربدة٥، والحميَّة. والسَّكران/٦ بالحشيشة ونحوها٧ يكون فيه ضد ذاك.
فتقرر من هذا: أنها تحرم لمضرتها العقل، ودخولها في المفتِّر المنهي عنه، ولا يجب الحد على متعاطيها؛ لأن قياسها على الخمر مع الفارق - وهو٨ انتفاء بعض الأوصاف - لا يصح٩، كذا قيل١٠.
_________________
(١) ١ في النسخ الثلاث (الغزالي)، وهو تصحيف- قطعا- من الناسخ، إذ إن الوارد في زهر العريش ١٥٤، والزواجر ١/ ٣٥٦ (القرافي)، ثم إن القرافي هو الذي خالف. انظر الحاشية التالية. ٢ انظر: الفروق للقرافي ١/ ٢١٦- ٢١٧، وزهر العريش ١٠٤. ٣ عون المعبود ١٠/ ١٢٩. ٤ ما بين الحاصرتين أسقط من (ج) . ٥ العَرْبَدة: سوء الخلق. الصحاح ٢/ ٥٠٨ مادة (عربد) . ٦ نهاية ل (٦) من (أ) . ٧ في (ج): (ونحوهما) . ٨ في (ج): (وقد) . ٩ عون المعبود ١٠/ ١٢٩. ١٠ قال شيخ الاسلام ابن تيمية﵀- في مجموع الفتاوى ٣٤/ ١٩٨:- ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وإنما تغيِّب العقل بلا لذة فلم يعرف حقيقة أمرها، فإنه لولا ما فيها من اللذة لم يتناولوها، ولا أكلوها، بخلاف البنج ونحوه مما لا لذة فيه، والشارع فرق في المحرمات بين ما تشتهيه النفوس ومالا تشتهيه، فما لا تشتهيه النفوس كالدم والميتة اكتفى فيه بالزاجر الشرعي، فجعل العقوبة فيه التعزير، وأما ما تشتهيه النفوس فجعل فيه مع الزاجر الشرعي زاجرا طبيعيا وهو الحد، والحشيشة من هذا الباب، انتهى.
[ ١٦٢ ]
والحاصل: أن الحشيشة، وما في حكمها مماله عملها، لا شك ولا ريب في تحريمها؛ لأنها إن كانت من المسكرات فهي داخلة في عموم أدلة تحريم المسكر، وقد عرفتَ من جزم بأنها مسكرة١، وإن كانت من المفترات المخدرات فهي محرمة بالحديث المتقدِّم في تحريم كل مفتر٢، ولا تخرج عن هذين الأمرين أصلا، والخَدَرُ ليس أمرا غير الفتور، بل هو فتور مع زيادة.
قال في القاموس٣: الخَدَرُ- بالتحريك- امذلال٤ يغشى الأعضاء، خدِرَ كفَرِح فهو خدِرْ، وفتور العين، أو ثقلٌ فيها من قذًى، انتهى.
ومع هذا فقد عرفت الإجماع على تحريمها بحكاية الإمامين٥/ ٦
_________________
(١) ١ انظر ص ١٥٥، ص ١٥٨، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٣٤/ ٢٠٤، وفتح الباري ١٠/ ٤٥. ٢ حديث أم سلمة ﵂، تقدم ص ١٤٣. ٣ القاموس ٢/ ١٩، مادة (خدر) . ٤ الامذلال: الخدر والفتور. ٥ تقدَّم ص ١٥٦، وانظر: مجموع الفتاوى،٣٤/٢٠٤، الفروق للقرافي ١/ ٢١٦. ٦ نهاية لوحة (٤) من (ب) .
[ ١٦٣ ]
القرافي١ وابن تيمية، فلم يبق ارتيابٌ، في التحريم.
وقد أعمى الله بصر وبصيرة بعض الأدباء المتأخرين من أهل اليمن، فاشتهر بالحشيشة الخبيثة، واستعملها بمرأى من العامة ومسمع، وكان المسكين- رحمه الله٢- ممن له صورة عند العامة جليلة، يعتقدون فيه أنه من أعيان العلماء،، ليته كان يتكتَّم باستعمال هذه الخبيثة، ويعترف بالمعصية، ويعلن٣ بالتحريم كما يفعله كثير من العصاة، ولكنه كان يصرح بأنها حلال - بلا برهان - في مواقف جماعة من العامة الذين هم أتباع كل ناعق- فجعلوه حجة لهم - وبالغوا في تعظيمه، ووصفه بالعلم/٤ لموافقته لأهوائهم.
وقد روى لي هذه القصة جماعة ممن لا أشك في صدقهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد أحسن من قال٥:
فساد كبير٦ عالم متهتك وأفسد منه جاهل متنسك
هما فتنة للعالمين كبيرة لمن بهما في دينيه يَتَمَسَّكُ
_________________
(١) ١ في النسخ الثلاث (الفرياني)، وقد تقدم نظير هذا والكلام عليه، ص ١٥٦. (﵀): أسقطت من (أ) ٣ في (ج): (ويعلم) . ٤ نهاية لوحة (٧) من (ج) . ٥ لم أقف على القائل. ٦ في (ج): (كثير) .
[ ١٦٤ ]
وقد صارت محنة ذلك الأديب الذي ضل وأضل بما صدر منه من قول١ وعمل في هذه القضية، التي هي من أعظم مزالق الزلل باقية إلى الآن، كما أخبرني بذلك من له خبرة بأحوال الناس واطلاع على أمورهم.
وقد سقنا في هذه الورقات من الأدلة، ونصوص العلماء الأكابر- على مسألة السؤال- مافيه كفاية، لمن له هداية. فالزعفران، والجوز الهندي، والأفيون ونحوها، لاحقة بالمسكرات إن صح قول من قال: إنهاا تسكر ولو في حالٍ من الأحوال٢، وإن صح قول من قال: إنها مفترة، فهي- أيضا- محرمة كذلك لما سلف، فهي مشاركة للسكر على أحد التقديرين، وللمفَتِّر على الآخر، وكل واحد منهما يقتضي التحريم، وإن لم يصح٣ فيها وصف الإسكار، ولا وصف، التفتير والتخدير مطلقا فلا وجه للحكم بتحريمها.
فمن أراد العثور على الحقيقة فليسأل من له اختبار عن التأثير الذي يحصل بالأمور المذكورة٤، وبعد ذلك يحكم على كل واحد منها بما أودعناه في هذه الرسالة.، وهذا إذا٥ لم يكتف بما نقلناه عن
_________________
(١) (من قول): أسقطت من (أ) . ٢ انظر الصفحات ١٥١، ١٥٢، ١٥٩، من هذا الكتاب. (وإن لم يصح): أسقطت من (أ)، (ج) . ٤ انظر الصفحات ١٥١. ١٥٩.١٥٢،. ٥ في هذا الكتاب. في (ب)، (ج): (إن) .
[ ١٦٥ ]
العلماء في وصف تلك الأمور كما سلف.
وقد ثبت في الصحيح١ عن النبيﷺ- أنه قال: "الحَلاَلُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ" ٢..، والمؤمنون وقَّافون عند الشبهات "فمن تَرَكَهَا فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ" ٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري/ كتاب الإيمان/ باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ١٩، ورواه مسلم في صحيحه/ كتاب المساقاة/ باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٣/ ١٢١٩، رقم (١٥٩٩) . وهذا لفظه. من حديث النعمان بن بشير، ﵄. ٢ قال الإمام النووي﵀- في شرح صحيح مسلم ١١/ ٢٧: معناه- أي الحديث- أن الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بين واضح لا يخفى حله، كالخبز، والفواكه، والزيت، والعسل، والسمن، ولبن مأكول اللحم، وبيضه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام، والنظر، والمشي وغير ذلك من التصرفات فيها، حلال بين واضح لا شك في حله. وأما الحرام البين فكالخمر، والخنزير، والميتة، والبول، والدم المسفوح، وكذلك الزنا، والغيبة، والكذب، والنميمة، والنظر إلى الأجنبية، وأشباه ذلك. وأما المشتبهات، فمعناه: أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص، أو قياس، أو استصحاب أو غير ذلك ٣ قوله: "فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ"، هذه العبارة جزء من الحديث السابق، ومعناها: أن من ترك الشبهات حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي، وصان عرضه عن كلام الناس فيه، وانظر شرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ٢٨.
[ ١٦٦ ]
وأقل أحوال١ الجوز الهندي وما ذكر معه أن يكون من الأمور المشَبَّهات.
وثبت عنه ﷺ أنه قال: "دَعْ ما يَرِيبُكَ إلَى مَالا يَرِيبُكَ" ٢.
صححه ابن حبان٣، والحاكم٤، والترمذي٥.
_________________
(١) (أحوال)، أسقطت من (ب) . ٢ يروى بفتح الياء، يَريبك -، وبضمها - يُريبك، ومعناه: دع ما تشك فيه إلى مالا تشك فيه. النهاية ٢/ ٢٨٦. ٣ صحيح ابن حبان/ كتاب الرقائق، باب الورع والتوكل ٢/ ٤٩٨، رقم (٧٢٢) . ٤ المستدرك للحاكم/ كتاب البيوع ٢./ ١١٣، وصححه، ووافقه الذهبي. ٥ سنن الترمذي/ أبواب صفة القيامة ٤/ ٧٧، رقم (٢٦٣٦)، وقال: هذا حديث صحيح. وأخرجه- أيضا.- أحمد ١/ ٢٠٠، والنسائي كتاب الأشربة/ باب الحث على ترك. الشبهات ٨/ ٢٣٧، وعبد الرزاق/ باب القنوت ٣/ ١١٧، رقم (٤٩٨٤)، والطبراني في الكبير ٣/ ٧٦، رقم (٢٧١١)، والبيهقي/ كتاب البيوع ٥/ ٣٣٥، والطيالسي في مسنده ١٦٣، رقم (١١٧٨)، والبغوي في شرح السنة/ باب الاتقاء عن الشبهات ٨/ ١٦، رقم (٢٠٣٢)، والدارمي/ كتاب البيوع/ باب دع ما يريبك إلى مالا يريبك ٢/ ١٦١، رقم (٢٥٣٥)، وأبو يعلى، في مسنده ١٢/ ٢٣٢، رقم (٦٧٦٢) . كلهم من حديث الحسن بن علي ﵄.
[ ١٦٧ ]
وقد حكى١ في شرح الأثمار٢، عن الإمام شرف الدين٣:
أن الجوز الهندي، والزعفران ونحوهما، يحرم الكثير منه؛ لإضراره، لا لكونه مسكرًا، وكذلك القرِّيط وهو: الأفيون.
وأما القات٤،
_________________
(١) ١ في (ج): (حكا٥) . ٢ حاشية الأزهار ١/ ٣٦. ٣ هو يحيى بن أحمد بن يحيى الحسني، شرف الدين، من أئمة الزيدية، وفقهائهم، من مصنفاته: (الأثمار) اختصر فيه متن (الأزهار)، مات سنة (٩٦٥ هـ) . ترجمته في: البدر الطالع ١/ ٢٧٨، الأعلام ٨/ ١٥٠، هدية العارفين ٢/ ٥٣٥. ٤ القات: نبات ذو أوراق وشجرات صغيرة، دائمة الخضرة، يتراوح طول الشجرة ما بين متر واحد إلى مترين، إلا أنها عادة تُقَلَّم إذا زادت عن المترين ليسهل جنيها، وتزرع شجرات القات متباعدة عن بعضها، والأوراق هي الجزء الهام في النبات، وخاصة تلك التي على قمته، وهي ناعمة الملمس، مصقولة من الجهة العليا، ولونها أخضر غامق، وليس لها رائحة مميزة. ويزرع القات بكثرة في اليمن، وكينيا، والصومال، وأثيوبيا، ويقال: إنه ورد إلى اليمن منها. وتستعمل القات- عند متعاطيه- عن طريق مضغ أوراقه الطرية الخضراء الرطبة، داخل الفم، مضغا بطيئا؛ بغرض استخلاص العصارة من النبات، ومن ثم بلعها، وتستمر فترة المضغ مدة طويلة، حيث تضاف كميات أخرى من القات في كل مرة من النوع الطري لحدوث التأثير المنشود، ويشرب معه عادة جرعات من الماء، أو المشروبات الغازية، ويتم تعاطي القات في جلسات انفرادية أو جماعية، تسمى (جلسة التخزين)، وفي بعض المناطق يستخدم القات مع الشاي، أو عن طريق التدخين. وانظر: المخدرات والإدمان ٣٣- ٣٤، جحيم المخدرات ٥٠- ٥١، أضرار تعاطي المخدرات ٣٠، المخدرات في الفقه الإسلامي ٤٥.
[ ١٦٨ ]
فقد أكلت منه أنواعًا مختلفة١، وأكثرت منها، فلم أجد لذلك أثرا في تفتير، ولا تخدير، ولا تغيير.
وقد وقعت فيه أبحاث طويلة بين جماعة من علماء اليمن عند أول ظهوره، وبلغت تلك المذاكرة إلى علماء مكة/٢، وكتب ابن حجر الهيتمي٣ في ذلك رسالة طويلة، سمَّاها [تحذير الثقات من أكل الكفتة والقات] ٤، ووقفت عليها في أيام سابقة، فوجدته تكلم فيها كلام من لا يعرف ماهية القات.
وبالجملة إنه إذا كان بعض أنواعه يبلغ إلى حد السكر أو٥
_________________
(١) ١ في (ج): (نوعا مختلفا) . ٢ نهاية لوحة (٧) من (أ) . ٣ أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، من فقهاء الشافعية بمصر، من مصنفاته: (تحفة المحتاج لشرح المنهاج)، (الزواجر عن اقتراف الكبائر)، (شرح المشكاة)، مات بمكة المكرمة سنة (٩٧٤ هـ) . ترجمته في: شذرات الذهب ٨/ ٣٧٠، البدر الطالع ١/ ١٠٩، هدية العارفين ١/ ١٤٦. ٤ طبعت هذه الرسالة ضمن كتاب [الفتاوى الكبرى، لابن حجر الهيثمي ٤/ ٢٢٣- ٢٣٤ [. ٥ في (ج): (والتفتير) .
[ ١٦٩ ]
التفتير- من الأنواع التي لا نعرفها- توجه الحكم بتحريم ذلك النوع بخصوصه.
وهكذا إذا كان يضر بعض الطباع من دون إسكار وتفتير، حرم لإضراره، وإلا فالأصل الحل كما يدل على ذلك عمومات القرآن والسنة١.
_________________
(١) ١ قد أفتى العلماء السابقون على الشوكاني، والذين أتوا بعده، بحرمة القات، وبينوا أضراره، ومنعوا من تناوله وأكله، فقد أفتى الشيخ حمزة الناشري اليمني (ت ٩٢٦ هـ) بحرمته، وكتب في ذلك منظومة ضمنها أضرار القات ومساوءه، وكتب الفقيه أبو بكر بن إبراهيم المقري الحرازي اليمني (ت ٩٦٥ هـ)، رسالة في تحريم القات، وصنف ابن حجر الهيتمي الرسالة التي ذكرها المصنف، ذكر فيها الأدلة على تحريم القات. ثم توالت الرسائل والفتاوى من العلماء الأفاضل نصَّت جميعها على تحريمه، وكتب الشيخ حافظ الحكمي (ت ١٣٧٧ هـ)، منظومة بعنوان (نصيحة الإخوان عن تعاطي القات والشمة والدخان)، وكتب سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت ١٣٨٩هـ) رسالة في تحريم القات، جاء فيها قوله ﵀: وحيث إن هذه مسألة حادثة الوقوع، والحكم عليها يتوقف على معرفة خواص هذه الشجرة، وما فيها من المنافع والمضار، وأيهما يغلب عليها بموجبه، وحيث إننا لا نعرف حقيقتها لعدم وجودها لدينا فقد تتبعنا ما أمكننا العثور عليه من كلام العلماء فيها فظهر لنا بعد مزيد البحث والتحري، وسؤال من يعتد لقولهم من الثقات أن المتعيّن فيها المنع من تعاطي زراعتها، وتوريدها، واستعمالها، لما اشتملت عليه من المفاسد والمضار في العقول، والأديان، والأبدان، ولما فيها من إضاعة المال، وافتتان الناس بها، ولما اشتملت عليه من الصَّدِّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهي شرّ ووسيلة لعدة شرور والوسائل لها حكم الغايات، وقد ثبت ضررها، وتفتيرها، وتخديرها، بل وإسكارها، ولا التفات لقول من نفى ذلك، فإن المثبت مقدَّم على النافي، فهاتان قاعدتان من قواعد الشريعة الأصولية تؤيدان القول بتحريمها، وقياسًا لها على الحشيشة المحرمة؛ لاجتماعهما في كثير من الصفات، وليس بينهما تفريق عند أهل التحقيق ثم ساق الأدلة على تحريمها. وقد اتفق العلماء المعاصرون على تحريمه، إذ صدر قرار المشاركين في (المؤتمر الإسلامي العالمي لمكافحة المسكرات والمخدرات) المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (٢٧- ٣٠/ ٥/ ٠١٤٠٢هـ)، بشأن القات، فجاء في التوصية التاسعة عشرة: [يقرر المؤتمر بعد استعراض ما قُدِّم إليه من بحوث حول أضرار القات الصحية، والنفسية، والخلقية، والاجتماعية، والاقتصادية أنه من المخدرات المحرمة شرعا، ولذلك فإنه يوصي الدول الإسلامية بتطبيق العقوبة الإسلامية الشرعية الرادعة، على من يزرع، أو يروج، أو يتناول هذا النبات الخبيث] . يقول الشيخ محمد المجذوب معلقا على هذا القرار: وما أراني مبالغا إذا قلت بأن في هذا القرار. نوعا من الإجماع الملزم للمسلم، إذ هو منبثق من التوافق التام بين الدين والعلم؛ لأن المقرِّين له صفوة من فقهاء ومفكري العالم الإسلامي على امتداده، وعلى اختلاف مذاهبه، فمن حقه على أهل العلم أن يتلقوه بالقبول والرضا؛ لأنه حَسَمَ كل خلاف بينهم في شأن هذه المادة التي استهوت الكثيرين منهم حتى جعلتهم أسوة غير حسنة لعامة الناس. هذا وقد أثبتت الدراسات والتقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث الطبية، والتي أصدرها العلماء المتخصصون أن استعمال وتعاطي القات يؤدي إلى الإصابة بكثير من الأمراض، وأن الإدمان عليه لفترات طويلة يؤدي إلى الإصابة بالهلوسة والجنون، فضلا عن الساعات الطويلة المهدرة التي تستغرقها جلسات التخزين، والتي تؤدي إلي إصابة المجتمع بالشلل شبه التام، مما يؤدي إلى إلحاق الأضرار الاقتصادية بالمجتمع، وتعطيل المصالح. وانظر في تحريم القات وبيان أضراره: تحذير الثقات عن استعمال القات، الزواجر ١/ ٣٥٤، فتوى في حكما أكل القات للشيخ ابن إبراهيم، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (العدد السابع والخمسون) ص ٣١٩، أضرار تعاطي المخدرات ٣٠، الأضرار الصحية للمخدرات. للدكتور البار ٤٨، المخدرات والمؤثرات العقلية ٩٤.
[ ١٧٠ ]
وأما قولكم؛ هل يجوز بيعه؟.
فالظاهر من الأدلة تحريم بيع كل شيء انحصرت منفعته في محرَّم، لا يقصد به إلا ذلك المحرم١.
أو لم تنحصر، ولكنه كان الغالب الانتفاع به في محرم٢.
أو لم يكن الغالب ذلك٣، ولكنه وقع البيع؛ لقصد الانتفاع
_________________
(١) ١ الاختيار ٢/ ٢٣، القوانين الفقهية ١٧٢، التنبيه ٨٨، المغني ٦/ ٣٢٠، ٣٢١، الإجماع لابن المنذر ١٠١، مراتب الإجماع لابن حزم ٨٣، بداية المجتهد ٢/ ١٢٦. ٢ الشرح الصغير ٣/ ٢٤، المغنى ٦/ ٣٢٠. (ذلك): أسقطت من (أ) .
[ ١٧٢ ]
به في أمر محرم١.
فما كان على أحد هذه الثلاث الصور كان بيعه محرما، وما كان خارجا عنها كان بيعه حلالا.
ومن أدلة الصورة الأولى: أحاديث النَّهي٢ عن بيع الخمر، والميتة٣، والخنزير؛ لأن هذه الأمور لا ينتفع بها إلا في أمر محرم، ولا يتصور الانتفاع بها في أمر
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٥/ ٧٦٣، جامع العلوم والحكم ٤١٥، المغنى ٦/ ٣١٩. ٢ منها: أولا: ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول اللهﷺ- قال: "إنَّ الله ورسوله حرَّم بَيْع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام ". أخرجه البخاري في كتاب البيوع/ باب بيع الميتة والأصنام ٢/ ٢٩، ومسلم / كتاب المساقاة/ باب تحريم بيع الخمر ٣/١٢٠٧، رقم (١٥٨١) . ثانيا: عن أبي هريرة﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الله حرَّم الخمر وثَمَنَها، وحرَّمَ الميتة وثمَنَها، وحرَّم الخنزير وثَمَنَهَ". أخرجه أبو داود/ كتاب البيوع والإجارات/ باب ثمن الخمر والميتة ٣/ ٧٥٦، رقم (٣٤٨٥)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٢٧، والدارقطني/ كتاب البيوع ٣/ ٧، رقم (٢١)، والبيهقي/ كتاب البيوع/ باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام ٦/ ١٢، وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٣٦٠، رقم (١٧٤٦) ٣ يستثنى من ذلك السمك، والجراد، وجلد الميتة المدبوغ.
[ ١٧٣ ]
حلال١.
ومن هذا القبيل الحشيشة؛ فإن منفعتها منحصرة في الحرام٢. ومن أدلة الصورة الثانية:
ما أخرجه الترمذي٣
_________________
(١) ١ المبسوط ١٣/ ١٣٧، المنتقى ٣/ ١٥٨، التمهيد ٤/ ١٤٣، بداية المجتهد ٢/ ١٢٦، الجامع للقرطبي ٦/ ٢٨٩.، مواهب الجليل ٤/ ٠٢٥٨، المحلى ٩/ ٨، المجموع ٩/ ٢٢٦، شرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ٧- ٨، معالم السنن ٣/ ١٣٣، شرح السنة ٨/ ٢٧، المغني ٦/ ٣٢٠، الكافي لابن قدامة ٢/ ٨، المبدع ٤/ ١٤، جامع العلوم والحكم ٤١٣. فتح الباري ٤/٤٢٤، نيل الأوطار ٥/١٤٢. ٢ الدر المختار ٦/ ٤٨٢، السهام المريشة ٣٨، ٤٢، زهر العريش ١٣٧، واضح البرهان ٩٦. ٣ سنن الترمذي/ أبواب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع المغنيات ٢/ ٣٧٥، رقم (١٣٠٠)، وقال: إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد، وضعَّفه، وهو شامي. والحديث أخرجه أيضا: أحمد في المسند. ٥/ ٢٥٢، ٢٥٧، ٢٦٤، ٢٦٨، وابن ماجة./ كتاب التجارات/ باب مالا يحل بيعه ٢/ ٧٣٣، رقم (٢١٦٨)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ٣٧، رقم (١١)، والطبري في تفسيره ١٠/ ٢٥٢، والحميدي في مسنده ٢/ ٤٥٥، رقم (٩١٠)، والآجري في كتاب تحريم النرد والشطرنج والملاهى ١٩٧، والطبراني في المعجم الكبير ٨/ ٢٥١، رقم (٧٨٥٥)، والطيالسي في مسنده ١٥٤- ١٥٥، رقم (١١٣٤)، وابن الجوزي في: تلبيس إبليس ٢٥٧، وفي العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ٢/٢٩٨، رقم (١٣٠٦)، والبغوي في تفسيره ٦/ ٢٨٤، وابن حزم في المحلى ٩/ ٥٨، والبيهقي في السنن الكبرى / كتاب البيوع / باب ما جاء في بيع المغنيات ٦/١٤، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٤١٤: في إسناده مقال، وقال النووي في المجموع ٩/ ٢٥٥: اتفق الحفاظ على أنه ضعيف.
[ ١٧٤ ]
من حديث أبي أمامة١﵁ - أن رسول اللهﷺ- قال: "لا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ٢ المُغَنِّيَاتِ، وَلاَ تَشْتَرُوهُنَّ، وَلاَ تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلاَ خَيْرَ في تجَارَةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ".
ومن المعلوم أن منفعة القينات لم تنحصر في الحرام، ولكن لما كان الغالب الانتفاع به في الحرام، جعل الشارع حكمهن في تحريم البيع حكم مالا ينتفع به في غير /٣ الحرام تنزيلا للأكثر منزلة الكل٤.
_________________
(١) ١ صُدَيُّ بن عجلان، أبو أمامة الباهلي، أحد كبار الصحابة﵃- روى علمًا كثيرا، وحدَّث عن النبي ﷺ، مات سنة ٨٦ هـ، ﵁. ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٨٨، أسد الغابة ٢/ ٣٩٨، ٥/ ١٦، ١لإصابة ٢/ ١٨٢. ٢ القَيْنَات: جمع قينة: وهى الأمة غَنَّت أو لم تغن. والمراد بها هنا: الأمة المغنية. وانظر: النهاية ٤/ ١٣٥. ٣ نهاية لوحة (٨) من (ج) . ٤ المغني ٦/ ٣٢٠، ١٤/ ١٦١، نزهة الأسماع في مسألة السماع لابن رجب ٣٢، جامع العلوم والحكم ٤١٤، أسهل المدارك ٢/ ٢٥٨، الشرح الصغير ٣/ ٢٤، نيل الأوطار ٨/ ٩٩.
[ ١٧٥ ]
ومن هذا القبيل البنج، والجوز الهندي وما شابههما.
[ومن أدلة الصورة الثالثة١:
ما أخرجه الطبراني٢ في الأوسط٣] ٤، بإسناد حسَّنه الحافظ ابن حجر٥، من حديث عبد الله بن بريدة٦، عن أبيه٧ -
_________________
(١) ١ في (أ): (الثانية) . ٢ سليمان بن أحمد بن أيوب، أبو القاسم الطبراني، الإمام الحافظ، صاحب المعاجم الثلاثة، مات سنة (٣٦٥ هـ) . ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٧، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩١٢، شذرات الذهب ٣/ ٣٠. ٣ مجمع البحرين في زوائد المعجمين، الأوسط، والصغير/ كتاب البيوع/ باب ما نُهِيَ عن ثمنه ٣/ ٣٧٣- ٣٧٤، رقم (١٩٨٤)، وسيأتي- في آخر الحديث- ذكر بقية من رواه. ٤ ما بين الحاصرتين أسقط من (ج) . ٥ قول الحافظ في: بلوغ المرام ١٤٨، وأورده في التلخيص الحبير ٣/ ١٩، وسكت عنه. ونقله عنه المصنف في نيل الأوطار ٥/ ١٥٤. ٦ عبد الله بن بريدة بن الحُصَيب الأسلمي، الحافظ، من علماء التابعين، حدَّث عن أبيه فأكثر، وكان شيخ (مرو) وقاضيها، مات سنة (١١٥هـ) . ترجمته في: تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٢، سير أعلام النبلاء٥/ ٥٠، شذرات الذهب ١/ ١٥١. ٧ بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، من أصحاب النبي ﷺ، روى عنه الكثير من الأحاديث، أسلم عام الهجرة، ومات سنة (٦٣ هـ) ﵁. ترجمته في: أسد الغابة ١/ ٢٠٩، الإصابة ١/ ١٤٦، شذرات الذهب ١/ ٧٥.
[ ١٧٦ ]
﵄- قال: قال رسول اللهﷺ-: " مَنْ حَبَسَ العِنَبَ أَيَّامَ القِطَافِ١ حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّن يَتَّخِذُه خَمْرًا، فَقَدْ تَقَحَّمَ٢ النَّارَ على بَصِيرَة" ٣.
ولا شك أن العنب في الغالب ينتفع به في الأمور الجائزة،
ولكنه٤ لما كان القصد بيعه إلى من يستعمله في أمر محرم، كان بيعه محرما٥ لأن وسيلة الحرام حرام٦.
وأما مع عدم القصد [فلا تحريم٧. ومن هذا الزعفران، فمن٨ باعه إلى من يستعمله في أمر
_________________
(١) ١ أيام القطاف: أوان قطف ثمار العنب. ٢ تقحم: رمى نفسه بالنَّار من غير روية ولا تثبت. النهاية ٤/١٨. ٣ الحديث رواه- بالإضافة إلى الطبراني- ابن حبان في كتاب المجروحين ١/ ٢٣٦، وابن الجوزي في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ٢/ ١٨٨، رقم (١١٢٦)، والبيهقي في شعب الإيمان / باب المطاعم والمشارب ٥/ ١٧، رقم (٥٦١٨)، قال أبو حاتم في علل الحديث ١/٣٨٩: هذا حديت كذب باطل، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/٥٢٣: حديث موضوع. ٤ في (أ): الكنه) . ٥ في (أ): (حراما) . ٦ المغني ٦/ ٣١٧، منتهى الإرادات ١/ ٣٤٨، النوازل ٣٦٦، مغني المحتاج ٢/ ٣٧، نيل الأوطار ٥/١٤٥. ٧ المصادر السابقة. ٨في (ج): المن) .
[ ١٧٧ ]
جائز] ١ أو مع عدم القصد فبيعه حلال، ومن باعه إلى من يستعمله في أمر غير جائز، نحو: أن يبيعه إلى من يعلم أنه يأكل منه مقدارا يحصل به التفتير أو٢ الإضرار بالبدن، قاصدا للبيع إلى من كان كذلك فبيعه غير جائز.
وإذا تقرر هذا التفصيل، ارتفع ما يرد من الإشكالات على حديث ابن عباس﵄- عند الحاكم٣، والبيهقي٤، بإسناد صحيح٥، أن النبيﷺ- قال: "إِنَّ الله إِذَا ٦ حرَّمَ أَكْلَ شيء/ ٧ حَرَّم ثَمَنَهُ" ٨.
_________________
(١) ١ما بين الحاصرتين أسقط من (أ) . ٢ في (ج): (والإضرار) . ٣ وكذا عزاه ابن القيم﵀- للحاكم في المستدرك. ولم أقف عليه فيه. ٤ السنن الكبرى/ كتاب البيوع/ باب تحريم بيع ما يكون نجسا لا يحل أكله ٦/١٣. ٥ وصحح إسناده- أيضا- ابن القيم، والنووي- رحمهما الله-. زاد المعاد ٥/ ٧٤٦، المجموع ٩/ ٢٢٩، ٢٣٨، التلخيص الحبير ٣/ ٤. (إذا): اسقطت من (ج) . ٧ نهاية لوحة (٥) من (ب) . ٨ وأخرج الحديث – أيضا - أحمد في المسند ١/ ٢٤٧، وأبو داود/ كتاب البيوع/ باب ثمن الخمر والميتة ٣/ ٧٥٨، رقم (٣٤٨٨)، والدارقطني/ كتاب البيوع ٣/ ٧، رقم (٢٠)، والطبراني في الكبير ١٢/٢٠٠، رقم (١٢٨٨٧)، وابن حبان في صحيحه/ كتاب البيوع/ باب البيع المنهي عنه ١١/ ٣١٢، رقم (٤٩٣٨) .
[ ١٧٨ ]
فإنه قال بعض أهل العلم١: إنه يلزم من الأخذ بظاهر هذا الحديث تحريم بيع الحمر الأهلية، وغيرها، مما يصلح لحلالٍ وحرام. ويجاب:
بأن الحمر الأهلية إذا باعها البائع إلى من يأكلها كان البيع محرما مع القصد [لما سلف من أن وسيلة الحرام حرام، وإن باعها إلى من لا يأكلها أ] ٢ ومع عدم القصد فلا وجه٣ للتحريم، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل٤.
وقال ابن القيم٥: إنه يراد بحديث ابن عباس﵄- المذكور٦ أمران:
أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملة، كالخمر، والميتة، والدم، والخنزير، وآلات الشرك، فهذه ثمنها حرام كيفما اتفقت.
والثاني: ما يباح الانتفاع به في غير الأكل، وإنما يحرم أكله كجلد الميتة بعد الدباغ، وكالحمر الأهلية، والبغال ونحوها مما يحرم أكله دون الانتفاع
_________________
(١) ١ فتح الباري ٤/ ٤١٥. ٢ ما بين الحاصرتين أسقط. من: (أ)، (ج) . (فلا وجه): أسقطت من (ب) . ٤ المغنى ٦/ ٣١٩، زاد المعاد ٥/ ٧٦٣، جامع العلوم والحكم ٤١٣. ٥ زاد المعاد: ٥/ ٧٦٢. ٦ الحديث سبق ذكره وتخريجه في الصفحة السابقة.
[ ١٧٩ ]
به، فهذا قد يقال: إنه لا يدخل في الحديث، وإنما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق.
والصواب: ما ذكرنا من التفصيل، فإن هذه الأمور يحرم بيعها إذا بيعت لأجل المنفعة المحرمة، كما إذا بيع الحمار /١ والبغل لأكلهما.
وقد قيل: إن بيع الشيء الذي يحرم في بعض الأحوال إلى من٢ ينتفع به في ذلك الأمر المحرم مع القصد حرام بالإجماع، ومما يؤيد تحريم بيع الشيء الذي ينتفع به في الأمور الجائزة في الغالب إلى من يستعمله فيما لا يجوز٣، ما أخرجه البيهقي٤، والبزَّار٥، عن عمران بن حصين﵁- مرفوعا في النهي عن بيع السلاح في الفتنة٦.
_________________
(١) ١ نهاية لوحة (٩) من (ج) . (إلى من): أسقطت من (أ)، (ج) . ٣ المغنى ٦/٣١٩، زاد المعاد ٥/ ٧٦٣، مجمع الأبهر ٢/ ٥٤٨، المجموع ٩/ ٣٥٤، مجموع الفتاوى ٢٢/ ١٤١، ٢٩/ ٢٧٥، ٣٣٢، فتح الباري ٤/٣٢٣. ٤ السنن الكبرى / كتاب البيوع / باب كراهية بيع العصير ممن يعصر الخمر، والسيف ممن يعصي الله﷿- به ٥/ ٣٢٧، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح. ٥ كشف الأستار عن زوائد البزار ٤/ ١١٧، رقم (٣٣٣) . ٦ ورواه ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٢٦٩، والطبراني في الكبير ١٨/ ١٣٦- ١٣٧، رقم (٢٨٦)، والعقيلي في ألضعفاء الكبير٤/ ١٣٩، وعلقه البخاري في صحيحه/ كتاب البيوع/ باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها ٢/١١، موقوفا على عمران بلفظ: وكره عمران بن حصين بيعه في الفتنة. قال الحافظ ابن حجر﵀- في التلخيص الحبير ٣/١٨، وفي فتح الباري ٤/ ٣٢٣، وفي تغليق التعليق ٣/ ٢٢٦: إسناده ضعيف، والصواب وقفه.
[ ١٨٠ ]
وأما سؤال السائل عن تلك الأمور: هل يجوز الانتفاع بها في غير الوجه الذي حرمت لأجله؟.
فنقول: نعم، يجوز أن ينتفع بها في غير الوجه الذي تحرم من جهته، كما يجوز الانتفاع بالحيوانات التي يحرم أكلها في غير الأكل، والانتفاع بالعنب ونحوه في جميع المنافع ماعدا الصورة المحرمة التي هي جعله خمرا، وهي١ مما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف بين أهل العلم والله أعلم.
حرره المجيب محمد بن علي الشوكاني- غفر الله له- في شهر ربيع الأول سنة (١٢٠٩هـ)، وحرَّر النقل في شهر القعدة سنة (١٢٩٤ هـ) ٢.
_________________
(١) ١ في (ب): (وهذا) . ٢ هذا آخر ما ورد في نسخة (أ)، وانظر ص ٨١.
[ ١٨١ ]