ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]، قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥) رقم (٦٠٣٧)، ورجال سنده ثقات، إلا عبد الوهاب ابن يحيى الزبيري، قال عنه أبو حاتم: «شيخ»، وقال ابن حجر: «مقبول». ينظر: الجرح والتعديل (٦/ ٧٢)، تقريب التهذيب ص (٣٦٨).
(٢) صحيح البخاري (٤/ ١٩٢٥) رقم (٤٧٦٣)، وصحيح مسلم (١/ ٥٥١) رقم (٨٠٠).
[ ٣٧ ]
وعن عبد الله بن عيسى قال: «كان في وجه عمر بن الخطاب - ﵁ - خَطَّان أسودان من البكاء» (^١).
وقال أبو رجاء العُطارِدي: «رأيت ابن عباس وأسفلَ من عينيه مثلُ الشِّراك البالي من الدموع» (^٢).
والآثارُ عن الصحابة والتابعين كثيرة، لكن هذا منهم حينما يصلي المرء وحده.
وكذلك التباكي عند قراءة القرآن هو مشروع في الخلوات، وعليه يُحمل الحديث المشهور: «ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا» (^٣)، علمًا بأن الحديث ضعيف (^٤).
فقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو موقوفًا عليه (^٥)، وجاء عن أنس عند أبي يعلى (^٦) بسند ضعيف؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو
_________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد ص (١٠٠) رقم (٦٣٨)، وفي فضائل الصحابة (١/ ٢٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠٧).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (٢/ ١٤٠٣) رقم (٤١٩٦).
(٤) ينظر: مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩١)، مصباح الزجاجة (١/ ١٥٧).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٢٢) رقم (٨٧٢٣).
(٦) مسند أبي يعلى (٧/ ١٦١) رقم (٤١٣٤).
[ ٣٨ ]
ضعيف عند الأئمة (^١)، وجاء عن سعد بن أبي وقاص عند ابن ماجه (^٢)، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه من رواية إسماعيل بن رافع، وهو ضعيف (^٣).
والخلاصة: أن البكاء والتباكيَ مما ينبغي إخفاؤه لا إفشاؤه، قال ابن القيم - ﵀ -: «وأما بكاؤه - ﷺ - فكان من جنس ضحكه؛ لم يكن بشهيقٍ ورفع صوتٍ» (^٤).
ومن أعظم مداخل الشيطان على القراء التباكي في صلاة التراويح دون لحظات الخلوات، فمن وجد هذا من نفسه فهو مفتون مُبتلى عليه أن يتوب عاجلًا بمداواة القلب، ومحاسبة النفس، ولزوم عبادة السر فهي دواء بإذن الله من كل داء.
قال سفيان الثوري - ﵀ -: «البكاء عشرة أجزاء: تسعةٌ لغير الله، وواحدٌ لله، فإذا جاء الذي لله في السَّنَةِ مَرَّةً فهو كثير» (^٥).
يا الله! كم هو دقيق وعجيب هذا الكلام من إمام كبير من أئمة السلف!
لله درك يا سفيان!
_________________
(١) ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال (٩/ ١٣٠)، تهذيب الكمال (٣٢/ ٦٦).
(٢) سنن ابن ماجه (٢/ ١٤٠٣) رقم (٤١٩٦).
(٣) تهذيب الكمال (٣/ ٨٥)، تقريب التهذيب ص (١٠٧).
(٤) زاد المعاد (١/ ١٧٦).
(٥) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ١١).
[ ٣٩ ]
تسعة أعشار البكاء لغير الله!
اللهم عفوك وصفحك يا الله!