عدد ركعات صلاة التراويح
الثابت في السنة من غير وجهٍ أنه - ﷺ - لم يكن يزيدُ على إحدى عشرةَ ركعةً لا في رمضانَ ولا في غيرِه، جاء في الصحيحين من طريق مالك، عن المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -، قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا » الحديثَ (^١).
قال ابن عبد البر - ﵀ -: «وأكثر الآثار على أن صلاته كانت إحدى عشرة ركعة» (^٢).
وكذلك الثابت عن الصحابة القيام بإحدى عشرة ركعة، كما جاء في الموطأ بسند صحيح عن محمد بن يوسفَ، عن السائب ابن يزيد - ﵁ -، قال: «أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٣٨٥) رقم (١٠٩٦)، وصحيح مسلم (١/ ٥٠٩) رقم (٧٣٨).
(٢) التمهيد (٢١/ ٦٩)، والاستذكار (٢/ ٩٨).
(٣) الموطأ (١/ ١١٥) رقم (٢٥١).
[ ٢٢ ]
وأما الأثر المشهور: «كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً» (^١)، فقد رواه مالك عن يزيدَ بن رُومان، عن عمر، ويزيد لم يدرك عمر، فالسند منقطع (^٢)، وهو معارض لما صح عن عمر من أمره بإحدى عشرة ركعة في الأثر السابق.
وجاء عند عبد الرزاق، عن داودَ بنِ قيس، عن محمدِ بنِ يوسفَ، عن السائب بن يزيد: «أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - جَمَعَ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ عَلَى أُبَيٍّ وَتَمِيم عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَكْعَةً» (^٣)، ولكن هذا الأثر غير محفوظ، والرواية الثابتة ما رواه الإمام مالك، عن محمد بن يوسف، عن السائب: «أَنَّهُ جَمَعَهُمْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»، وأئمة الحديث يقدِّمون مالكًا على داود بن قيس، بل يقدمون مَنْ دون مالك في الحفظ على داود بن قيس.
والخلاصة: أن الأصح عن عمر أنه جمع الناس على أبيٍّ وتميم بإحدى عشرة ركعة، ولكن ما سبق تقريره عن النبي - ﷺ -، وعن عمر لا يعني عدمَ جوازِ الزيادة على إحدى عشرة ركعة.
فصلاة القيام غير محصورة بعدد معين، وقد دلَّ على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
_________________
(١) الموطأ (١/ ١١٥) رقم (٢٥٢).
(٢) ينظر: نصب الراية (٢/ ٩٩).
(٣) مصنف عبد الرزاق (٤/ ٢٦٠) رقم (٧٧٣٠).
[ ٢٣ ]
فأما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزَّمل:٢٠]، أي: من غير تحديد بوقت، وعبَّر عن الصلاة بالقراءة، كما في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠]، أي: بقراءتك (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزَّمل:٢٠]، أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل (^٢).
وأما السُّنَّة:
فعن سعد بن هشام بن عامر، قال: «قُلْتُ: يَا أُمَّ المؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ الله - ﷺ -، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ، وَكَانَ نَبِيُّ الله - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا» (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٢٥٨).
(٢) ينظر: فتح القدير (٥/ ٣٨٦).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٥١٣) رقم (٧٤٦).
[ ٢٤ ]
وعن ابن عباس - ﵂ -، قال: «كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يَعْنِي بِاللَّيْلِ» (^١).
وعن عائشة - ﵂ -، قالت: «كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا» (^٢).
وأما الإجماع:
فقال ابن عبد البر - ﵀ -: «أجمع العلماء على أنه لا حَدَّ ولا شيءَ مقدرٌ في صلاة الليل فمَنْ شاء أطال فيها القيام وقَلَّتْ رَكَعاتُه، ومن شاء أكثرَ الركوعَ والسجودَ» (^٣).
وقال أيضًا: «لا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حَدٌّ محدود، وأنها نافلة وفعل خير وعمل بر؛ فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر» (^٤).
وقال ابن الملقن - ﵀ -: «ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زيدت زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعله - ﵊ - وما اختاره لنفسه» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٥١) رقم (١١٣٨).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٠٨) رقم (٧٣٧).
(٣) الاستذكار (٥/ ٢٤٤).
(٤) التمهيد (٢١/ ٦٩، ٧٠).
(٥) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٥٤٥).
[ ٢٥ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في معرض حديثه عن عدد الركعات في صلاة التراويح -: «والصواب أن ذلك جميعه حسن فيكون تكثيرُ الركعات وتقليلها بحسَب طول القيام وقصره» (^١).
وقال أيضًا: «قيام رمضان لم يوقت النبي - ﷺ - فيه عددًا معينًا وكان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة، ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن.
والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام؛ فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي - ﷺ - يصلي لنفسه في رمضان وغيره، هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه؛ فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر، وبين الأربعين.
وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي - ﷺ - لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ، فإذا كانت هذه السعة في نفس عدد القيام فكيف الظن بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو تركه؟ كل ذلك سائغ حسن، وقد ينشط
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ١١٣).
[ ٢٦ ]
الرجل فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة، وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها.
وكانت صلاة رسول الله - ﷺ - معتدلة؛ إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، هكذا كان يفعل في المكتوبات، وقيام الليل، وصلاة الكسوف، وغير ذلك» (^١).
ومن كلام شيخ الإسلام نصل إلى هذه الخلاصة:
أن القيام لا يُحدُّ بعدد الركعات وإنما يُحدُّ بالزمن، كما بيَّن ذلك العلامةُ الشيخ ابن جبرين - ﵀ - وقال: «ومن كلام شيخ الإسلام وغيره من الآثار يُعلم أن قيام الليل يُحدد بالزمان لا بعدد الركعات، وأن النبي - ﷺ - كان يصلي إحدى عشرة ركعة في نحو خمس ساعات، وأحيانًا يصلي الليل كله» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٧٢،٢٧٣).
(٢) فتاوى رمضانية له ص (٧٨).
[ ٢٧ ]