فضل صلاة التراويح
صلاة التراويح: هي من جملة قيام الليل، فتَشْمَلُها نصوصُ الكتاب والسنة التي وردت في بيان فضل قيام الليل، ومن هذه النصوص:
قوله تعالى عن المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧].
وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
وقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦].
وفي الصحيحين من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ» (^٢).
_________________
(١) متفق عليه، تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٢) صحيح مسلم (٢/ ٨٢١) رقم (١١٦٣).
[ ١٧ ]
قال الحسن البصري - ﵀ -: «ما نعلم عملًا أشدَّ من مكابدة الليل ونفقة المال، قيل له: ما بالُ المتهجدين أحسنُ الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره» (^١).
بَكَى الْبَاكُونَ لِلرَّحْمَنِ لَيْلًا وَبَاتُوا دَمْعَهُمْ مَا يَسْأَمُونَا
بِقَاعُ الْأَرْضِ مِنْ شَوقٍ إِلَيْهِمْ تَحِنُّ مَتَى عَلَيْهَا يَسْجُدُونَا
وكان السلف ﵏ يجِدُون لقيام الليل لذَّة وسرورًا، يفرحون بمجيئه، ويحزنون لانقضائه.
قال ثابت البُناني - ﵀ -: «ما شيءٌ أجدُه في قلبي ألذُّ عندي من قيام الليل» (^٢).
وقال سفيان الثوري - ﵀ -: «إذا جاء الليل فرحت، وإذا جاء النهار حزنت» (^٣).
وقال أبو سليمان الداراني - ﵀ -: «لَأَهْلُ الطاعة بليلهم أَلَذُّ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليلُ ما أحببت البقاء في الدنيا» (^٤).
_________________
(١) إحياء علوم الدين (١/ ٣٥٥).
(٢) صفة الصفوة (٢/ ١٥٥).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٨٥).
(٤) أخرجه الدينوري في المجالسة (١/ ٤٧٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ٢٧٥).
[ ١٨ ]
وقال بعضهم: «مساكينُ أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أَطْيَبَ ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، ومعرفته وذكره» (^١).
وقال ابن تيمية - ﵀ -: «إنَّ في الدنيا جنةً مَنْ لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة» (^٢).
- أيُّ أوقات القيام أفضلُ؟
كل الليل وقت للقيام، فللمرء أن يصلي أولَ الليل أو أوسطَه أو آخرَه، فقد جاء في صحيح مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ خَافَ أَنْ لا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» (^٣).
إلا أن صلاة آخر الليل أفضل؛ لما سبق، ولما رَوَى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق مسروق عن عائشة - ﵂ -، قالت: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (^٤).
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٤٥٤)، وجامع العلوم والحكم ص (١٨٩).
(٢) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٤٥٤)، والوابل الصيب ص (٦٧).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٥٢٠) رقم (٧٥٥).
(٤) صحيح البخاري (١/ ٣٣٨) رقم (٩٥١)، وصحيح مسلم (١/ ٥١٢) رقم (٧٤٥).
[ ١٩ ]
ولحديث النزول الإلهي الثابت في الصحيحين من طريق أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^١).
وينبغي أن يكون للمرء قسط من الليل بحسَب وُسعه، وما تيسر له، من أول الليل، أو أوسطه، أو آخره، ولو كان قليلًا، أما القيام في رمضان فذلك ما تنبعث له سوابق الهمم.
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٣٨٤) رقم (١٠٩٤)، وصحيح مسلم (١/ ٥٢١) رقم (٧٥٨).
[ ٢٠ ]