ترك الإيتار مع الإمام في التراويح
الأفضل للمأموم في صلاة التراويح أن يتابع الإمام حتى ينصرف من الوتر؛ لحديث أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ -، قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (^١).
وقد بَوَّبَ النسائي على الحديث: (ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف) (^٢).
قال أبو داود: «سمعت أحمد، وقيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وَحْده؟ قال: يصلي مع الناس، وسمعته أيضًا، يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه» (^٣).
وقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - معلقًا على الحديث -: «فينبغي أن يكون الوتر مع التراويح جماعة» (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٥٥).
(٢) السنن الكبرى (٢/ ١٠٨).
(٣) مسائل الإمام أحمد ص (٩٠).
(٤) الشرح الممتع (٤/ ٦٠).
[ ٥٨ ]
وقد رأينا بعض الأحبة يندفع لقصر العدد في التراويح على إحدى عشرة ركعة ولا يكملون صلاة التراويح مع الإمام، بل يفارقونه إذا اكتمل العدد عشرة، ثم يأتون بركعة الوتر بمفردهم، وهذا الفعل مخالف للسنة من عدة أوجه:
الوجه الأول: ترك الائتمام بالإمام:
والنبي - ﷺ - يقول: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (^١).
والحديث «يشمل كل فعل فعله الإمام ما لم يكن منهيًّا عنه، والزيادة على إحدى عشرة ليس منهيًّا عنها، وحينئذ نتابع الإمام، أما لو كانت الزيادة منهيًّا عنها مثل: أن يصلي الإمام صلاة الظهر خمسًا، فإننا لا نتابعه» (^٢).
الوجه الثاني: فوات فضل قيام ليلة:
وهذا بنص حديث أبي ذر السابق (^٣).
ومفهوم المخالفة من الحديث: أن من لم يصل مع الإمام حتى ينصرف لم يُكْتَب له قيام ليلة؛ لأن من صلى مع الإمام التراويح، ولم يوتر معه لم يكن قد صلى مع الإمام حتى ينصرف، فيُحْرَم من هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٣٩) رقم (٦٨٨)، ومسلم (١/ ٣٠٩) رقم (٤١٢).
(٢) الشرح الممتع (٤/ ٦١).
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
[ ٥٩ ]
الأجر العظيم، وهو أن يُكْتَب له قيام ليلة كاملة تامة (^١).
الوجه الثالث: الاختلاف على الإمام:
ترك إكمال التراويح مع الإمام يؤدي إلى الاختلاف عليه واللغط والتشويش، والعامة يستغربون مفارقة هؤلاء للإمام، وموكب هؤلاء وهم يفارقون الإمام يشعر بالتدابر والتباعد.
وقد حذر النبي - ﷺ - من الاختلاف على الإمام، فقال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (^٢).
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بالأمر بالاجتماع والائتلاف، ونبذ الفرقة والشتات، والأدلة في ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
فهذا ابن مسعود - ﵁ - يصلي بِمِنًى أربع ركعات خلف عثمان ابن عفان - ﵁ -، مع أنه يعتقد أن الصحيح ركعتان لا أربع، ولكنه يتابع الإمام؛ لأن الخلاف شر.
فعن عبد الرحمن بن يزيد، قال: «صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَقَالَ عَبْدُ الله: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ؛
_________________
(١) ينظر: الشرح الممتع (٤/ ٦١).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٤٥) رقم (٧٢٢)، ومسلم (١/ ٣٠٩) رقم (٤١٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٦٠ ]
فَلَوَدِدْتُ أَن لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ» -قَالَ: الْأَعْمَشُ، فَحَدَّثَنِي مُعَاوِيَةَ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ -: «أَنَّ عَبْدَ الله صَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا، قَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ» (^١).
وصلاة المرء مع إمامه جماعة، فيها من الفضائل: شهود الخير، وتكثير سواد المسلمين، ونشاط النفس، وتحفيز الآخرين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ١٩٩) رقم (١٩٦٠) بسندٍ صحيحٍ.
[ ٦١ ]