استجماع القوى الثلاث
ينبغي لمن وُفِّق لإمامة الناس أن يستجمع قبل الشروع في الإمامة أنواع القوى المُعِينَة على كمال الصلاة، وخشوعها، وهي:
١) قوة استحضار الوقوف بين يدي الله.
٢) قوة الاحتساب في إسماع كلام الله وتزكية القلوب به.
٣) قوة استدعاء ملكة التدبر لآيات القرآن.
وفيما يلي تفصيل لهذه القوى:
- أولًا: استحضار الوقوف بين يدي الله:
فهذا الموقف هو أعظم المواقف وأَجلِّها وأشرفها؛ إذ يقف العبد بين يدي مولاه تاليًا لكتابه في بيت من بيوته، قد اصطف الناس من خلفه يُسْمِعُهم كلام ربهم.
فعلى الإمام أن يستشعر هذا الموقف، ويُفْرِغ القلب، ويُخْرِج منه الالتفات إلى ما سواه من المخلوقات، والإقبال على غيره؛ فيتوجه
[ ٧٥ ]
بقلبه مستحضرًا الوقوف بين يدي العظيم الجليل الذي هو أكبر من كل شيء، وأجل من كل شيء، وأعظم من كل شيء (^١).
يقول ابن القيم - ﵀ -: «وأما الصلاة، فشأنها في تفريح القلب وتقويته، وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله، وقربه والتنعم بذكره، والابتهاج بمناجاته، والوقوف بين يديه، واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حظه منها، واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم، وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وراحته من عدوه حالة الصلاة، ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة» (^٢).
- ثانيًا: الاحتساب في إسماع كلام الله وتزكية القلوب به:
وإذا كان المرء مأجورًا في احتسابه بالإحسان إلى عباد الله في الصدقة، وإزالة الأذى عن الطريق، والكلمة الطيبة، والابتسامة، وحمل المتاع على الدابة، ونحو ذلك مما جاءت به السنة؛ فإن أعظم الأجر الإحسان إلى عباد الله بكلام الله: إسماعًا وتدبرًا.
فأين المحتسبون من الأئمة في أجلِّ أبواب الإحسان؟
_________________
(١) ينظر: شفاء العليل لابن القيم ص (٢٢٧).
(٢) زاد المعاد (٤/ ١٩٢).
[ ٧٦ ]
وأين المبتغون لهداية البشر بكلام رب البشر؟
وأين الملتمسون لبركة القرآن على أنفسهم وإخوانهم وأحبابهم وجيرانهم وسائر عباد الله؟
فينبغي للإمام أن يحتسب قراءته للقرآن لله - ﷿ -، وأن يقصد بتلك القراءة إسماع الناس كلام الله تعالى وتذكيرهم به؛ حتى يؤثر ذلكم في قلوبهم؛ فيخشون الله ويخافونه.
يقول الله تعالى مخاطبًا نبيه الكريم: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]، فأمر الله - ﷿ - نبيه - ﷺ - أن يُذَكِّرَ قومَه بهذا القرآن، وهذه الآية فيها بيان لأسلوب من أساليب الدعوة، وهو التذكير بالقرآن، ومن أنواع التذكير: تلاوة القرآن على الناس جميعًا (^١).
وهذا درس بليغ للأئمة: أن يعملوا على إحياء قلوب المصلين بسماع كلام الله؛ حتى يلتفتوا إلى هذه المواعظ الإلهية، ويتدبروها ويتعقلوها ويعملوا بها.
والتذكير بهذا الكتاب العظيم وظيفة العالم وطالب العلم والداعية، ويتأكد التذكير بالقرآن في حق الإمام؛ حيث شرفه الله بالإمامة والقرآن، والناس من خلفه يستمعون، ويزداد هذا التأكيد في شهر
_________________
(١) ينظر: التفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم الخطيب (١٣/ ٤٩٨)، وفقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري لسعيد بن وهف القحطاني (١/ ٦٢٣).
[ ٧٧ ]
رمضان شهر القرآن، الذي هو فرصة عظيمة لقراءة كتاب الله - ﷿ - وتذكير الناس به.
- ثالثًا: استدعاء ملكة التدبر لآيات القرآن:
إن تدبر الآيات من أعظم مقاصد إنزال القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
وشهر رمضان الذي هو شهر القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، هو أَوْلى الشهور بتلاوة القرآن وتدبره وفهمه وتعقله.
ومن أَجَلِّ مقاصد القيام في شهر رمضان: تدبر الآيات القرآنية، وفهمها فهمًا صحيحًا، يؤدي إلى الخشوع والتذلل لله تعالى، والعمل بما دلت عليه هذه الآيات.
ومما يعين على تقوية ملكة التدبر لكتاب الله - ﷿ -، واستحضار معاني الآيات القرآنية، ما يلي:
أولًا: حضور القلب عند قراءة القرآن:
على الإمام وهو يقرأ في الصلاة أن يستحضر الآيات بقلبه وفكره وعقله كله، وهذا أدعى لفهم معاني الآيات والغوص في أعماق دلالاتها.
«ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وَجَدَ فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من
[ ٧٨ ]
الكلام لا منظومه ولا منثوره» (^١).
ثانيًا: التلذذ بتلاوة القرآن:
إن لآيات الله أثرًا عميقًا في النفوس؛ فينبغي أن يطلبه القارئ باذلًا وسعه مستفرغًا طاقته، مستجمعًا مواطن البلاغة القرآنية، ناظرًا إلى أثرها النفسي على روحه ووجدانه، مخاطبًا عقله وقلبه.
إن التلذذ بالقرآن نعمة لا تعدلها - بجمالها وقدسيتها - نعمة، فأي شيءٍ أجمل وأنبل من خطاب الرحيم الرحمن عِبَاده بمعجزةٍ خالدةٍ تأخذ بالألباب وتحلق بالأرواح في آفاقٍ من الخشوع والسكينة يعيشها من يستلذ بجمال هذا الخطاب الرباني، ويبحر في أسراره وفوائده.
يقول ابن القيم - ﵀ -: «فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإن من المعلوم أن من أحب محبوبًا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه» (^٢).
ثالثًا: أن يعرض الإمام نفسه على كتاب الله:
ما أجمل قارئ القرآن وهو يعرض نفسه على كتاب الله - ﷿ -، ويستحضر أنه هو المخاطب بهذه الآيات، فيقرأ آيات القرآن؛ ليؤدب
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٠).
(٢) الجواب الكافي ص (٢٣٥).
[ ٧٩ ]
به نفسه لا غيره، فيضع نفسه في الميزان: أين هو من منزلة التقوى، ومن منزلة الإيمان، ومن منزلة الخشوع؟ (^١).
رابعًا: القراءة بترتيل وتجويد:
ينبغي أن تكون قراءة القرآن قراءة مرتَّلةً مجوَّدةً لا تحجب عن معايشة حقائق القرآن ومعانيه، بلا تنطع في المخارج وتحقيق متكلف في التجويد وتحسين الصوت على حساب التدبر لمعاني الآيات.
«ولا يجعل هِمَّتَهُ فيما حُجِب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها، وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك؛ فإن هذا حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، وكذلك شغل النطق بـ ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، وضم الميم من ﴿عَلَيْهِمُ﴾ ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك. وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت» (^٢).
_________________
(١) ينظر: أخلاق أهل القرآن للآجري ص (٧٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٠).
[ ٨٠ ]