الاعتداء في الدعاء
الاعتداء في الدعاء له صور كثيرة فصَّل فيها أهل العلم، وإليك ثلاثًا منها:
الصورة الأولى: السجع المُتكلَّف والمبالغة في ذلك، فإن هذا من الممنوع شرعًا، قال ابن عباس في وصيته لمولاه عكرمة: «فَانْظُر السَّجْعَ مِن الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ» (^١)، أي: الاجتناب.
الصورة الثانية: رفع الصوت بالدعاء رفعًا زائدًا عن الحاجة؛ لأن المشروع رفعه بمقدار ما يسمع من خلفه، فإذا زاد عن ذلك فهو من الاعتداء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥].
وقد استنبط شيخ الإسلام وغيره من هذه الآية، أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء (^٢)؛ لأن الله أمر بإخفائه وخفضه ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٢٣٣٤) رقم (٦٣٣٧).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ١٥).
[ ١١٩ ]
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فكأن من لم يخفض صوته بذلك يُعد معتديًا.
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى - ﵁ - مرفوعًا: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» (^١).
الصورة الثالثة: تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه في الدعاء، وذكر بعض الأوصاف التي تخرج الدعاء إلى الوعظ، كأن يسأل الداعي ربه الجنة ويصفها، فيقول: اللهم أسألك الجنة وقصورها وحورها وأنهارها، أو يستعيذ من النار ويصفها، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من النار وسلاسلها وزقومها وحَيَّاتها وسعيرها.
وجاء عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع ابنه يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الجنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إِنْ أُعْطِيتَ الجنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الخيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ» (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ٥٧) رقم (٢٩٩٢)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٧٦) رقم (٢٧٠٤).
(٢) سنن أبي داود (١/ ٤٦٦) رقم (١٤٨٠)، والحديث حسنه ابن حجر في الأمالي المطلقة ص (١٨)، وفي سند الحديث اختلاف، وابن سعد في السند مبهم، قال المنذري: =
[ ١٢٠ ]
وللاعتداء في الدعاء صور عديدة أكثر مما ذكرت مبثوثة في مظانها، وهو باب مهم ينبغي للإمام معرفته، ولا يسعه جهله.
_________________
(١) = «سعد هذا هو ابن أبي وقاص، وابنه هذا لم يسم، فإن كان عمر، فلا يحتج به». مختصر سنن أبي داود (٢/ ١٤٢).
[ ١٢١ ]