صفة ركعات صلاة التراويح
أكمل القيام ما وافق فيه المصلي السُّنَّة كمية وكيفية:
أما الكمية: فيراد بها العدد وهي إحدى عشرة ركعة كما سبق معنا فيما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -.
وأما الكيفية: فإنه - ﷺ -، كان يصلي مثنى مثنى، ويطيل القيام والركوع والسجود، فقد قام - ﷺ - في ركعةٍ بسورة البقرة والنساء وآل عمران كما ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة (^١)، وعند ابن حبان، عن عائشة - ﵂ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَمْكُثُ فِي سُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً» (^٢).
وقد اتَّفق الفقهاء على أنَّ المشروع في صلاة الليل مثنى مثنى، ولكنهم اختلفوا في حكم ذلك هل هو على الوجوب، أم الاستحباب؟
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٥٣٦) رقم (٧٧٢).
(٢) صحيح ابن حبان (٦/ ٣٤٤) رقم (٢٦١٠).
[ ٢٨ ]
فذهب مالك (^١)، والشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، إلى أن المشروع في صلاة الليل السلامُ من كل ركعتين؛ لما ثبت في الصحيحين من طريق مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵁ - أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (^٤). ومعنى (مَثْنَى مَثْنَى) أي ركعتين ركعتين.
وأكثر أهل العلم على أنَّ هذا على سبيل الوجوب، وجاء عن أحمد فيمن قام في التراويح إلى الثالثة: «يرجع وإن قرأ ولا بد» (^٥). وفي رواية أخرى مشهورة عن الإمام أحمد: «أن القيام في هذه الحالة مكروه» (^٦).
وذهب آخرون إلى جواز صلاة أربع ركعات بتسليم واحد، وهذا هو رأي أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد (^٧)، قال أبو حنيفة: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًّا وثمانيًا لا تسلمُ إلا في آخرهن (^٨).
_________________
(١) ينظر: بداية المجتهد (١/ ١٦)، والذخيرة (٢/ ٤٠٢).
(٢) ينظر: مختصر المزني (١/ ٢١)، والحاوي الكبير (٢/ ٦٥٩).
(٣) ينظر: المغني (١/ ٧٩٦)، والإقناع (١/ ١٠٦).
(٤) صحيح البخاري (١/ ٣٣٧) رقم (٩٤٦)، وصحيح مسلم (١/ ٥١٦) رقم (٧٤٩).
(٥) ينظر: المبدع (٢/ ٢٣)، والإنصاف (٢/ ١٣١).
(٦) ينظر: المبدع (٢/ ٢٣).
(٧) ينظر: المغني (١/ ٨٢٤)، والإنصاف (٢/ ١٢١).
(٨) ينظر: الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير ص (١١٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٩٥).
[ ٢٩ ]
وعلى رأي أبي حنيفة يُخير الإمام بين ذلك، لكن الأفضل في مذهبه صلاة أربع بتسليم واحد؛ لما ثبت في الصحيحين من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت لأبي سلمة حين سألها عن صلاة النبي - ﷺ -: «يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا» (^١).
وهذا الحديث ظاهره الجواز، لكنه ليس صريحًا فيه.
وحديث ابن عمر: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»، ليس صريحًا في وجوب التسليم من كل ركعتين، فيُحْمَل على الاستحباب، وأنه ينبغي أن يكون هو الهديَ الغالبَ، ولكن من نسي فقام إلى الثالثة فله أن يجعلهن أربعًا ولا يلزمه الرجوع على رأي أبي حنيفة وأحمد في رواية، وهذا فيه توسعة على الناس، لا سيما أن حديث عائشة: «يُصَلِّي أَرْبَعًا » يحتمل ذلك، وظاهره أنه يصلي أربعًا بتسليم واحد، يفعل ذلك أحيانًا، وإن كان هديه الغالب - ﷺ - أنه يسلم من اثنتين كما يدل عليه حديث ابن عمر - ﵁ -.
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٣٨٥) رقم (١٠٩٦)، وصحيح مسلم (١/ ٥٠٩) رقم (٧٣٨).
[ ٣٠ ]