يُنال التوفيق بفعل أسبابه
من أعظم أسباب التوفيق الإخلاص لله تعالى، فهو رُوح الأعمال الصالحة، وكل عملٌ لا إخلاص فيه كالجسد بلا روح، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
وعن أبي أمامة - ﵁ -: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لا شَيْءَ لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: لا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^١).
واحذر شائبة التَّطَلُّع للذكر، قال الفضيل بن عياض - ﵀ -: «من
_________________
(١) أخرجه النسائي (٦/ ٢٥) رقم (٣١٤٠)، وحسَّن إسناده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ص (١٧٥٤)، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٨١)، وابن حجر في فتح الباري (٦/ ٢٨): إسناده جيد.
[ ٧٣ ]
أحبَّ أن يُذكَر لم يُذكَر، ومن كَرِه أن يُذكَر ذُكِر» (^١)، فاحذر هذه الشائبة، وعالج النية؛ فإنها سر العبودية، وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، فالزم حبل الإخلاص، وتعاهد نفسك.
قال ابن القيم - ﵀ -: «العمل بلا إخلاص ولا اقتداءٍ كمسافر يملأ جِرابَه رملًا يثقلُه، ولا ينفعُه» (^٢).
ولئن كان تَحرِّي الإخلاص واجبًا في كل شيء؛ فإن حمل النفس عليه في هذا الباب أوجب وآكد.
ومتى ما آنست من نفسك تَحقُّق الإخلاص، وخُيِّل إليك أنك مخلص، فاعلم أن إخلاصك يحتاج إلى إخلاص، وإذا ظن الإنسان هذا من نفسه فهو أبعد ما يكون عنه، وإذا لم يَرَ في نفسه شيئًا من ذلك وكان مُتَّهِمًا لنفسه فهو إلى توفيق الله أقرب.
وقد عاش السلف وماتوا وهم يَشْكون عُسر الإخلاص، وتقلُّب النية، قال سفيان الثوري - ﵀ -: «ما عالجت شيئًا أشدَّ عليَّ من نِيَّتي، إنها تَقَلَّبُ عليَّ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٨٨).
(٢) الفوائد ص (٤٩).
(٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٦٢)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٣١٧).
[ ٧٤ ]