تَصَنُّع الخشوع
يشرع لقارئ القرآن تطلب الخشوع وجلبه، وقد وصف الله أهل العلم بذلك فقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].
إلا أن ذلك مما ينبغي إسراره وكتمه إذا كان ذلك في القراءة الجهرية، إلا أن يُغْلَب المرء على ذلك فهو معذور لأنه ليس بمَلْكِه.
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - عندما سئل عمن يبكي من الأئمة بكاءً شديدًا -: «أما الشيء الذي يأتي بغير تكلف، ويكون بكاء برفق لا بِشُهاقٍ كبير، فهذا لا بأس به وأما المتكلف فأخشى أن يكون هذا البكاء من الرياء الذي يُعَاقَب عليه فاعله ولا يثاب عليه» (^١).
وقد ضرب السلف أروع الأمثلة في إخفاء العَبَرات:
_________________
(١) اللقاء الشهري رقم (٥).
[ ١١٥ ]
- قال الحسن البصري - ﵀ -: «إن كان الرجل ليجلس المجلس، فتجيئه عَبْرَتُه فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام» (^١).
- وقال أيضًا: «إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْرُ -الضيوف - وما يشعرون به» (^٢).
- و«كان أبو وائل - شقيق بن سلمة - إذا صلى في بيته يَنْشَجُ نشيجًا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحدٌ يراه ما فعله» (^٣).
- وقال محمد بن واسع - ﵀ -: «إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة، ومعه امرأته لا تعلم به» (^٤).
- وكانت لهم مواقف عجيبة في التخفي حين غلبة البكاء، فهذا أيوب السَّخْتياني غلبه البكاء مرة، فقال: «الشيخ إذا كبر مَجَّ وغلبه فُوهُ، فوضع يده على فيه، وقال: الزَّكْمَة ربما عَرَضَت» (^٥).
رحم الله أولئك الرجال.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص (٤٥٠).
(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٥١٤).
(٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٠١).
(٤) الحلية (٢/ ٣٤٧).
(٥) أخرجه أحمد في الزهد ص (٢١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦).
[ ١١٦ ]