حكم التعقيب في ليالي رمضان
لا خلاف بين الفقهاء في سُنِّية قيام ليالي رمضان واستحبابه، لكن الخلاف في التعقيب وحكمه.
والتَّعْقِيْبُ هو: التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر.
وقد كره بعض الفقهاء أنْ يختم الإمام صلاة التراويح بالوتر، ثم يصلي بهم آخر الليل جماعة؛ وسبب الكراهة أن السنة أن يجعل المصلي آخر صلاته بالليل وترًا، وفي التعقيب لا يكون آخر صلاته وترًا.
قال إسحاق بن راهويه - ﵀ -: «إنْ أتمَّ الإمام التراويح في أول الليل (^١) كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى؛ لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته، وإن لم يتم بهم في أول الليل وأخَّر تمامها إلى آخر الليل لم يكره» (^٢).
وقال الشيخ أبابطين - ﵀ -: «ما يظنه بعض الناس من أن صلاتنا في
_________________
(١) أي: صلى بالناس التراويح مع الوتر.
(٢) ينظر: فتح الباري لابن رجب (٩/ ١٧٦).
[ ٦٢ ]
العشر هي صلاة التعقيب الذي كرهه بعض العلماء، فليس كذلك؛ لأن التعقيب هو التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر؛ هذه عبارة جميع الفقهاء في تعريف التعقيب؛ أنه التطوع جماعة بعد الوتر عقب التراويح، فكلامهم ظاهر في أن الصلاة جماعة قبل الوتر ليس هو التعقيب» (^١).
وبعض الفقهاء أجاز صلاة التعقيب بلا كراهة، حتى إن أتمَّ الإمام صلاة التراويح وأوتر.
قال ابن قدامة - ﵀ -: «فأما التعقيب، وهو أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة، أو يصلي التراويح في جماعة أخرى؛ فعن أحمد: أنه لا بأس به؛ لأن أنس بن مالك قال: ما يرجعون إلا لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه. وكان لا يرى به بأسًا. ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة، إلا أنه قول قديم، والعمل على ما رواه الجماعة. وقال أبو بكر: الصلاة إلى نصف الليل، أو إلى آخره، لم تكره رواية واحدة، وإنما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل النوم، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنه خير وطاعة، فلم يكره، كما لو أخره إلى آخر الليل» (^٢).
ونُقِل عن الإمام أحمد الروايتان: الجواز، والكراهة، قال ابن رجب
_________________
(١) الدرر السنية (٤/ ٣٧٠).
(٢) المغني (٢/ ١٢٥).
[ ٦٣ ]
- ﵀ -: «اختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان» (^١).
وقد رجَّح شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - الكراهة، فقال: «القولُ الرَّاجحُ: أنَّ التَّعقيب المذكور مكروه، وهذا القول إحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمد - ﵀ -، وأطلق الروايتين في (المقنع) و(الفروع) و(الفائق) وغيرها، أي: أنَّ الروايتين متساويتان عن الإمام أحمد، لا يُرَجَّح إحداهما على الأخرى. لكن لو أنَّ هذا التَّعقيبَ جاء بعد التَّراويح وقبل الوِتر، لكان القول بعدم الكراهة صحيحًا، وهو عمل النَّاس اليوم في العشر الأواخر من رمضان، يُصلِّي النَّاس التَّراويح في أول الليل، ثم يرجعون في آخر الليل، ويقومون يتهجَّدون» (^٢).
والمقصود أنه لا كراهة في الاستزادة من صلاة القيام آخر الليل لمن لم يوتر أول الليل، والخلاف فيمن أوتر أول الليل هل له أن يستزيد بعد ذلك أم لا؟
الذي يترجح لي جواز ذلك بلا كراهة، وحديث ابن عمر مرفوعًا: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (^٣)، يحمل على الندب والاستحباب، لا على الحتم والإيجاب، كما قال بذلك عددٌ من الفقهاء (^٤).
_________________
(١) المغني (٢/ ١٢٥).
(٢) فتح الباري (٩/ ١٧٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ٢٥) رقم (٩٩٨)، ومسلم (١/ ٥١٧) رقم (٧٥١).
(٤) ينظر: الدر المختار (١/ ٣٦٩)، الفواكه الدواني (١/ ٢٠١)، المبدع (٢/ ٢٣).
[ ٦٤ ]