أثر الوقف الصحيح في فهم الآيات
إن معرفة الوقف في تلاوة كتاب الله - ﷿ - من أنفع العلوم الْمُعِينة على فهم القارئ لكتاب الله - ﷿ -.
وإن الوقف الصحيح على الآيات له أثره العجيب في فهم القرآن الكريم، فَبِهِ يُعرفُ المراد من كلام الله تعالى، ويتضح للقارئ المعنى الصحيح لسياقات القرآن وبدايات الجُمَل القرآنية ونهاياتها، ويسهل على من يستمع إلى القرآن أن يفهم ما تُلِيَ عليه من آياته؛ فحريٌّ بالأئمة والقُرَّاء لا سيما في صلاة التراويح أن يحرصوا عليه، ويُولُوه عناية فائقة.
وهكذا كان صحابة رسول الله - ﷺ -:
يقول عبد الله بن عمر - ﵂ -: «لقد عشنا برهةً من دهرنا، وأحدنا يُؤْتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد - ﷺ -؛ فنتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تَتَعَلَّمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يُؤْتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره
[ ٨١ ]
ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نَثْرَ الدَّقَل! (^١)» (^٢).
قال أبو عمرو الداني: «ففي قول ابن عمر دليل على أن تعليم ذلك توقيفٌ من رسول الله - ﷺ -، وأنه إجماع من الصحابة، رضوان الله عليهم» (^٣).
ولعلي في هذه السانحة أستعرض بعض المعالم الْمُعِينة على فقه هذا العلم العظيم:
المعلم الأول: الوقوف على رؤوس الآيات:
الوقوف على رؤوس الآيات من أقرب السبل لفهم معاني الآيات وتدبرها كما هو هدي النبي - ﷺ -، بَيَّنَت ذلك أم سلمة - ﵂ - حين «سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١]، ثُمَّ يَقِفُ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
_________________
(١) الدَّقَل-بفتح الدال والقاف-: رديء التمر اليابس؛ الذي لا يكاد يلتصق ببعضه، فإذا نُثِرَ تفرق وانفردت كل تمرة عن أختها؛ فَشَبَّه قراءة القرآن السريعة بنثر الدقل. ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٢٥٤)، ولسان العرب (١١/ ٢٤٦).
(٢) أخرجه الطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (٤/ ٨٥) رقم (١٤٥٣)، وابن منده في كتاب الإيمان (١/ ٣٦٩) رقم (٢٠٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩١) رقم (١٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٧١) رقم (٥٢٩٠). قال ابن منده: «هذا إسناد صحيح على رسم مسلم والجماعة إلا البخاري»، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، وأقره الذهبي.
(٣) المكتفى في الوقف والابتداء له ص (٤).
[ ٨٢ ]
الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ثُمَّ يَقِفُ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]» (^١).
قال ابن القيم - ﵀ -: «وهذا هو الأفضل، الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها، وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد، والوقوفِ عند انتهائها، واتباعُ هدي النبي - ﷺ - وسنته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في شعب الإيمان وغيره، ورَجَّح الوقوف على رؤوس الآي وإن تعلقت بما بعدها» (^٢).
المعلم الثاني: الاعتناء بمواضع الوقف:
إن وقوف القارئ على مواضع الوقف في القرآن له أثره في فهم معاني الآيات؛ ولذلك اعتنى العلماء الذين أُوكِلَت إليهم مهمة طباعة المصحف الشريف، فوضعوا هذه العلامات في محلها من آيات القرآن، وهي موجودة في الصفحات الأخيرة في بعض المصاحف بعد سورة الناس، تحت عنوان: (علامات الوقف)، ومن أهم هذه العلامات ما يلي:
(م): علامة الوقف اللازم.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤/ ٣٧) رقم (٤٠٠١)، والترمذي (٥/ ١٨٥) رقم (٢٩٢٧)، وأحمد في المسند (٤٤/ ٢٠٦) رقم (٢٦٥٨٢)، واللفظ له، وزيادة (ثُمَّ يَقِفُ) عند الترمذي.
(٢) زاد المعاد (١/ ٣٢٦).
[ ٨٣ ]
(ج): علامة الوقف الجائز.
(صلي): علامة الوقف الجائز مع كون الوصل أولى.
(قلي): علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أولى.
(لا): علامة الوقف الممنوع.
(.٠. .٠.) علامة تعانق بحيث إذا وقف على أحد الموضعين لا يصح الوقوف على الآخر.
فالإمام مثلًا يجب عليه أن يقف على موضع الوقف اللازم؛ لأن وقفه يتم المعنى، ولو وصل الكلام بما بعده لاختل المعنى وهكذا (^١).
المعلم الثالث: تجنب الوقف القبيح:
الوقف القبيح: هو الوقف على موضع في الآية لا يُعْرَف المراد منه، ولا يكتمل به المعنى، ولا ينبغي الوقوف عليه إلا للضرورة كالسعال وضيق النفس، ونحو ذلك، وسُمِّيَ قبيحًا لقبح الوقف عليه (^٢)، وللمحاذير التالية:
_________________
(١) ينظر: رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة لشعبان محمد إسماعيل ص (١٠١).
(٢) ينظر: إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري (١/ ١٥٠)، والتحديد في الإتقان والتجويد لأبي عمرو الداني ص (١٧٧)، والعميد في علم التجويد لمحمود بن علي المصري ص (١٥٦)، وغاية المريد في علم التجويد لعطية نصر ص (٢٣٢).
[ ٨٤ ]
أ- عدم اكتمال المعنى أو تغيير المعنى بالكامل.
ب- إيهام معانٍ باطلة.
ولهذا نماذج عديدة منها:
١ - الوقف على كلام يوهم معنًى غير صحيح:
كوقوف القارئ على كلمة ﴿وَالْمَوْتَى﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٣٦]، والواجب على القارئ أن يكمل السياق ليكتمل المعنى؛ لأن وقوفه على كلمة ﴿وَالْمَوْتَى﴾ يوهم اشتراك الأموات مع الأحياء في الاستجابة والسماع، وذلك غير المعنى المراد.
٢ - الوقف على كلمة تفيد معنىً باطلًا في حق الله سبحانه:
كوقف الإمام على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾؛ فإنه يستلزم معنىً باطلًا في حق الله - ﷿ -، بل عليه أن يقرأ الجملة كاملة فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].
وكمن يقف عند قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ﴾، فيوهم هذا الوقف كفرًا بالله - ﷿ - لا يجوز في حقه ﵎، والواجب عليه أن يكمل الآية فيقرأ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
ولا يجوز لقارئ القرآن الوقوف على هذه المواضع إلا للضرورة،
[ ٨٥ ]
وإذا وقف عليها مضطرًا، لزمه أن يرجع فيقرأ جزءًا مما قرأه أولًا؛ حتى يلتئم المعنى، ويتضح المقصود من الكلام (^١).
_________________
(١) ينظر: المكتفى في الوقف والابتداء لأبي عمرو الداني ص (١٣، ١٤)، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري (١/ ٢٢٩)، ومعجم علوم القرآن لإبراهيم الجرمي ص (٣٣٤).
[ ٨٦ ]