ليكن لك خبيئة
صلاة التراويح من العبادات الجماعية التي شُرِعَت لمصالحَ كثيرة تختص بالهدي التعبدي العام، لكنها لا تُغْنِي عن خبايا العبادات التي تتوافر فيها دوافع تحقيق الإخلاص لله أكثر من العبادات الجماعية.
والخبيئة هي عبادة السر التي تكون بين العبد وربه، في عملٍ من الأعمال الصالحة، وهذا الصنف من العبادة مقامه عظيمٌ؛ لصدق العبد وإخلاصه لله فيه، ولبعده عن الرياء ومطامع السمعة والشهرة.
وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر منهم النبي - ﷺ -: « وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (^١).
فهذه الصدقة ارتفع مقامها، وعظم أجرها؛ حتى صار صاحبها من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة؛ لأنها صدقة خفية خالصة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ١١١) رقم (١٤٢٣)، ومسلم (٢/ ٧١٥) رقم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٩٣ ]
لوجه الله، وانظر إلى دقة التعبير النبوي: «فَأَخْفَاهَا؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» مبالغة في إسرارها وإخفائها، فعَبَّرَ بقوله: «لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ» أي: أن يده اليسرى لم تعلم بما أنفقته اليمنى لقوة إخلاصه.
عجيبٌ أمر هذه الخبيئة التي يتمثل فيها الصدق مع الله في أرقى درجاته، وأسمى غاياته إذ لا يرجو المرء غير الله، لا يرائي أحدًا، ولا يطلب سوى الله.
وقوله: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا»: «يعنى صدقة التطوع؛ لأن صدقة الفرض إعلانها أفضل من إخفائها؛ لِيُقْتَدَى به في ذلك، ويُظْهِر دعائم الإسلام» (^١).
قال الزبير بن العوام - ﵁ -: «أيكم استطاع أن يكون له خبيئة مِن عملٍ صالحٍ فليفعل» (^٢).
والخبيئة من أسباب نور القلب وسعادته:
قال الشافعي - ﵀ -: «من أحب أن يفتح الله قلبه أو ينوره، فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه واجتناب المعاصي، ويكون له خبيئة فيما بينه
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٤٢٨).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (١/ ٣٩٢) رقم (١١٠٩)، وابن الجعد في مسنده ص (١١٣) رقم (٦٨٢)، وأحمد بن حنبل في الزهد ص (١١٩) رقم (٧٧٨)، وأبو داود في الزهد ص (١٢٢) رقم (١١٢).
[ ٩٤ ]
وبين الله تعالى من عمل» (^١).
والخبيئة من أرجى ما ينجي العبد يوم تبلى السرائر:
لأن العبد «يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويخبئها بجهده، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه» (^٢).
إن الموفق «من يكون له مع الله خبيئة سر وأعمال وأحوال، فمن لم يكن له مع الله سر فليس له عند الله قدر، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فهو هالك ولا يشعر» (^٣).
والقارئ في سير سلف الأمة تلوح له هذه العبادة في سيرة كل قدوة من أولئك الكبار.
قال ابن رجب - ﵀ -: «قال بعضهم: كانوا يستحبون أن يكون للمرء خبيئة من عمل صالح؛ ليكون أهون عليه عند نزول الموت» (^٤).
«كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي، فإذا دخل الداخل نام على فراشه» (^٥)، ولعل ذلك في قيام الليل حرصًا منه على إخفاء العبادة.
_________________
(١) نقله عنه النووي في المجموع شرح المهذب (١/ ١٣).
(٢) تفسير القرطبي (١٥/ ١٢٧).
(٣) مفيد العلوم للخوارزمي ص (١٦٩، ١٧٠).
(٤) مجموع رسائل ابن رجب (٣/ ١١٨).
(٥) أخرجه أحمد في الزهد ص (٢٩٤) رقم (٢١١١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٣٥١).
[ ٩٥ ]
ومن غرائب الأخبار عن عبد الله بن المبارك أنه كان يضع اللثام على وجهه عند القتال في سبيل الله (^١)، حرصًا على التخفي وعدم الظهور.
يعلق الإمام أحمد - ﵀ -، ويقول: «ما رفع اللهُ ابنَ المبارك إلا بخَبِيئةٍ كانت له» (^٢).
ومن الذين كانت لهم خبيئة مع الله - ﷿ - وجاء ذكرهم في نصوص الكتاب والسُّنة:
يونس - ﵇ -: قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٦].
فكان ليونس - ﵇ - خبيئة من عمل صالح أنجاه الله بها من بطن الحوت.
_________________
(١) ينظر: صفة الصفوة (٤/ ١٤١)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٨٦).
(٢) صفة الصفوة (٤/ ١٤٦).
[ ٩٦ ]
قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: «كان له عمل صالح فيما خلا» (^١).
ومن أولئك: الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة:
كما جاء عن ابن عمر - ﵂ -، عن النبي - ﷺ -: «خَرَجَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ المَطَرُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا الله بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ، فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً، فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ، قَالَ: فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، قَالَ: فَفُرِجَ عَنْهُمْ » الحديث (^٢).
وهكذا الثاني والثالث منهم، كان لكلٍّ منهم خبيئة.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٨٠) رقم (٢٢١٥)، ومسلم (٤/ ٢٠٩٩) رقم (٢٧٤٣).
[ ٩٧ ]
وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: «ادْعُوا الله بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ» (^١).
وفي رواية: «انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لله، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ» (^٢).
وفي رواية: «إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا الله بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ» (^٣).
وفي رواية: «إِنَّهُ وَالله يَا هَؤُلَاءِ، لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ» (^٤).
وهؤلاء الثلاثة كانت لهم خبايا بينهم وبين الله كانت سببًا لخلاصهم ونجاتهم من هذا الكرب الذي حَلَّ بهم، وهذه بركة من بركاتٍ كثيرة لعمل الخبيئة.
وأولى الناس بالخبيئة وأحوجهم إليها من كان إمامًا وقدوة للناس.
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٧٩، ٨٠) رقم (٢٢١٥).
(٢) صحيح البخاري (٣/ ١٠٥) رقم (٢٣٣٣)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٩٩) رقم (٢٧٤٣).
(٣) صحيح البخاري (٣/ ٩١) رقم (٢٢٧٢).
(٤) صحيح البخاري (٤/ ١٧٢) رقم (٣٤٦٥).
[ ٩٨ ]