الدليل الأول: قَولُه تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١).
وجه الاستدلال من الآية: أنَّ الاَيةَ فيها دلالةٌ على جواز الحِيَلِ، إذ هي تعليمٌ لأيوب عن كيفية الخروج عن يمينه التي حَلَفها، "وذلك أنَ أيوب -﵇- كان قد غَضِبَ على زوجته، ووجد عليها في أَمْرِ فعلته. . . فلامَها على ذلك، وحلف إنّ شفاه الله تعالى ليضربنّها مئة جلدةٍ. . . فلما شفاه الله -﷿- وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخذمة التامة، والرَّحمة، والشَّفقة، والإحسان أن تقابل بالضرب، فأفتاه الله أن ياخذَ ضِغْثًا وهو الشِّمْراخُ، فيه مئة قضيب، فيضربها به ضربةً واحدةً وقد برَّت يمينه، وخرج من حِنْثه، ووفّى بنذره، وهذا من الفَرَج والمَخْرَج لمن اتقى الله تعالى، وأناب إليه" (٢).
وقد نوقش هذا الاستدلال بالآية:
أنه لم يكنْ في شَرْعهم كفَّارة، فإنه لو كان في شَرْعِهم كفَّارة لَعَدَلَ إلى التكفير، ولم يحتجْ إلى ضَرْبِها، فكانتِ اليمينُ موجبةً للضرب عندهم كالحدود، وقد ثبت أن المحدودَ إذا كان معذورًا خفّف عنه بأن يجمعَ له مئة شمراخ، فيضرب بها ضربةً واحدةً، وامرأة أيوب كانت معذورةً لأنَّها قصدتِ الإحسانَ في الأمر، الذي لامها أيوبُ ﵇، فلم تكنْ تستحق العقوبةَ، فأفتى اللهُ نبيَّه أيوبَ
_________________
(١) سورة (ص) آية (٤٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤١).
[ ٤٨ ]
﵇ أن يعامِلَها معاملةَ المعذور، هذا مع رِفْقها به، وإحْسانها إليه، فجمع الله له بين البرِّ في يمينه والرِّفق بامرأته المحسنة المعذورة، التي لا تستحقُّ العقوبة (١).
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخُدْري وأبي هريرة - ﵁ -: أن رسولَ الله - ﷺ - استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جَنِيْبٍ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "أكلُّ تمرِ خيبر هكذا" قال: لا واللهِ يا رسولَ الله، إنا لنأخذُ الصَّاعَ من هذا بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "لا تفعلْ، بعِ الجمعَ بالدَّراهم، ثم ابْتَعْ بالدَّراهم جَنِيبًا" (٢) [متفق عليه].
وجهُ الاستدلال من الحديث:
أن رسولَ الله - ﷺ - أمره أن يبيعَ التَّمرَ بالدَّراهم، ثم يشتري بالدَّراهم تَمْرًا، وذلك للتخلُّص من حُرْمةِ الربا، ولا معنى للحيلةِ إلا ذلك.
وقد نُوقش الاستدلال بالحديث:
أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمر بأن يبيعَ سِلْعته الأولى، ثم يشتري بثمنها سِلْعةً أخرى، ومعلومٌ أن هذا يقتضي البيعَ الصَّحيحَ، وإذا وُجد البيعان على الوجه الصَّحيح، جاز ذلك (٣)، وليس في الحديث دلالةٌ على جواز الحِيَلِ، التي هي محلُّ النِّزاع؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمرَ الرَّجلَ أن يتخلَّصَ من الرِّبا ببيع النَّوع الرَّديء بالدراهم، ثم يشتري الجيِّد بالدَّراهم من غير تواطؤٍ، ولا مخادعةٍ، ولا احتيالٍ، ورسولُ الله
_________________
(١) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ١٣١).
(٢) انظر: صحيح البخاري: كتاب البيوع. باب: إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه. (٢/ ٧٦٧) رقم (٢٠٨٩) وصحيح مسلم: كتاب المساقاة. باب: بيع الطعام مثلًا بمثل (٣/ ١٢١٥) رقم (١٥٩٣).
(٣) انظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٣).
[ ٤٩ ]
- ﷺ - لمَّا أمره بهذا عرفنا أنَّ المقصودَ هو استعمالُ الطَّريق الشَّرعي النزيه، والبعيد عن الاحتيالِ.
الدليل الثالث: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - وَرَدَ عنه استعمالُ المعاريض، وهي حيلةٌ في الأقوال، ومن ذلك أنه - ﷺ - لقي طليعةً للمشركين وهو في نَفَرٍ من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال النبيُّ ﷺ: "نحن من ماء" (١).
وجه الاستدلال:
أن رسولَ الله - ﷺ - أراد بقوله (من ماء) قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٢) وهذه حيلةٌ للتخلُّصِ منهم.
وقد نُوقش هذا الاستدلال:
أنَّ هذا النَّوعَ من المعاريض جائزٌ، إذ يتخلَّص به الإنسانُ من الظُّلم ورسول الله - ﷺ - قال ذلك ليتخلَّص من ظُلْمِهم وشرِّهم، ثم إنَّ المعرِّض لو صرَّح بقصده لم يكنْ مرتكبًا لمحرم، بخلافِ المحتالِ، فإن قصده الظلم، وانتهاك المحرم، والتعريض لا يدلُّ على جَوازِ الحِيَلِ، إذ هو أسلوبٌ من أساليبِ الكلام في اللغةِ العربيةِ يُستعملُ لأسبابٍ عديدةٍ ذكرها أهلُ اللغة، وليس موضوعًا للحيلِ فقط.