اشتهر عن الحنفية أنَّهم يقولُون بجوازِ الحِيَل التي هي مَحَلُّ النِّزاع، يقول السرخسي: "إن الحِيَل في الأحكامِ المخرجةِ عن الآثام جائزةٌ عند جمهور العلماء -﵏-" (١).
ويقولُ الخَصَّافُ نقلًا عن محمد بن الحسن: "وإنَّما الحِيَل شيءٌّ يتخلَّص به الرجلُ من المآثم والحرام، يخرجُ به إلى الحلال، فما كان من هذا أو نحوه فلا بأس" (٢).
والحقيقةُ أنَّ ما قاله الحنفيةُ من جَواز هذه الحِيَل، إنَّما يقصدون الحِيَل الجائزةَ والخارجةَ عن محلِّ النِّزاع، وإلا كيف يتصوَّر أن أئمةَ الحنفية يقولُونَ بجوازِ ذلك، ولعلَّ نسبة القول بتجويز هذه الحِيَل إلى الحنفية جاء بناءً على الأسباب التالية (٣):
١ - أنَّ بعضَ النَّاسِ قد ادَّعى أن لأبي حنيفة كتابًا في الحِيَل كان يفتي فيه للناس بالتَّحلل من الأحكام الشرعية، والقيود الفقهية، ولكن هذا الكتابَ لم يُعْثَرْ عليه حتى يدرس ويعرف ما فيه من تلك الحِيَل، أهي خروجٌ على الدِّين، أم هي توسعةٌ من ضيق بعضِ القيود المذهبية، وتخريج الأحكام في الدَّائرة الشَّرعية، بحيث يكونُ الدينُ يُسْرًا لا عُسْرَ فيه. يقول ابن القيم: "والمقصودُ أن
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٣٠/ ٢٠٩).
(٢) كتاب الخصاف في الحِيَل (٤).
(٣) انظر: إلى هذه الأسباب بالتفصيل في كتاب (أبو حنيفة. حياته وعصره. آراؤه وفقهه) لمحمد أبي زهرة. (٣٦٤، ٣٧٩).
[ ٤٤ ]
هذه الحِيَل لا تجوزُ أن تنسب إلى إمام، فإن ذلك قَدْحٌ في إمامته، وذلك يتضمَّنُ القَدْحَ في الأمة، حيث ائتمتْ بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غيرُ جائز، ولو فُرِضَ أنه حُكي عن واحدٍ من الأئمة بعضُ هذه الحِيَل المجمع على تحريمها، فإمَّا أن تكونَ الحكايةُ باطلة، أو يكون الحاكي لم يضبطْ لفظه. . . فعلمت أن هؤلاء المحتالين، الذين يفتون بالحِيَل، التي هي كُفْر أو حرام ليسوا مقتدين بمذهبِ أحدٍ من الأئمةِ وأنَّ الأئمةَ أعلمُ بالله ورسوله ودينه، وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحِيَل" (١).
٢ - كتاب (المخارج في الحِيَل)، هو كتابٌ منسوبٌ إلى محمد بن الحسن، ولكنْ جرى الاختلاف هل هو من تصنيفه أم لا، وقد ذكر هذا الاختلاف السَّرخسي حيثُ قال: "اختلف الناسُ في كتاب الحِيَل أنه من تصنيف محمد أم لا" (٢)، والذي يترجَّح هو القَولُ بنسبة الكتاب لمحمد بن الحسن، وقد ذكر الكتاب الكثير من الحِيَل التي كانت منتشرةً بين أصحابِ أبي حنيفة.
والحقيقة، أن الحِيَلَ المذكورةَ في كتب الحنفية هي من النَّوع المباح لا من النوع المحظور، فهي من الحِيَل المباحةِ التي يحتالُ بها على التَّوصُّل إلى الحق، أو دفع الظالم بطريقةٍ مباحة. فحيلُ الأئمة ما كانت لهدم مَقْصد الشَّارع، بل كانتْ سبيلًا لتحقيق الأغراضِ الشَّرعية ورَفْع الحرج، بل كانوا -﵏- يجتهدون في أن لا يكونَ في حِيَلِهم ما يهدمُ مقصدًا شرعيًا (٣).