من يتأمَّلْ كتب الحنفية، فإنه لن يجدَ ذكرًا للتورق بهذا الاسم، وإنما أوردوا صورته كصورة من صور العِيْنَة، فهم سموا التَّورُّق عينة، وحيث إن الحنفية يحرِّمون العِيْنَة، ويذكرون التَّورُّق كصورة من صور العِيْنَة، فقد يتبادر إلى أذهان البعض، ويتصوَّر أن حُكْم تحريم العِيْنَة يشمل بيع التَّورُّق، وتجد هذا التصورَ في بعض البحوث، حيث نسب الكراهة إلى الحنفية، وليس الأمر كذلك، فإن الإمام محمد بن الحسن لما قال: "هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال" (١) كان مراده بيع العِيْنَة، كما سبق بيانه.
وحينما ننظرُ إلى السّرخسي نجد أنه عدَّ التَّورُّق من العِيْنَة، ونصَّ على الكراهة حيث قال -﵀-: "وذكر عن الشعبي أنه كان يكره أن يقولَ الرجل للرجل: أقرضني، فيقول: لا، حتى أبيعك، وإنما أراد بهذا إثبات كراهية العِيْنَة، وهو أن يبيعه ما يساوي عشرة بخمسة عشر، ليبيعه المستقرض بعشرة" (٢). وتعريفه للعينة يدخل فيه التَّورُّق، والسبب الذي جعله يقول بهذا التعريف أن الحنفية يُدْخِلون التَّورُّق ضمن صور العِيْنَة.
وقد نصَّ بعضُ الحنفية على كراهة صورة من صور التَّورُّق، والتي يطلب المُتَوَرِّق فيها القَرْض من التاجر فيرفض، والتاجر يعلمُ بحاجة المُتَوَرِّق، فيقدم التاجر للمتورق سلعة، ويقول: أبيعك هذه السِّلعة بمئة مؤجَّلة لتبيعها أنت في
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٥/ ٢٧٣).
(٢) المبسوط (١٤/ ٣٦).
[ ٩٤ ]
السُّوق بسبعين، فقد قال الميرغيناني: "وهو مكروهٌ لما فيه من الإعراض عن مبرَّة الإقراض" (١).
مما سبق يتبينُ أن الحنفية يذكرون التَّورُّق ضمن صُوَر العِيْنَة، وينصُّون على الكراهة، ومرادهم كراهة العِيْنَة المشهورة فقط دون التَّورُّق، ولذلك جاء ابنُ الهمام -﵀- ففرَّق بين العِيْنَة والتَّورُّق في الحكم بعد أن ذَكَرَ كلام أبي يوسف، الذي يفيد ظاهره جواز العِيْنَة، وبيَّن كذلك أنه لا كراهةَ إذا رفض التاجرُ الإقراض. يقول -﵀-: "ولا شكَّ أن البيع الفاسد بحكم الغصب المحرم، فأين هو من بيع العِيْنَة الصحيح المختلَف في كراهته، ثم الذي يقعُ في قلبي أن ما يخرجه الدافعُ إن فعلت صورة يعود فيها إليه هو أو بعضه، كعود الثوب أو الحرير في الصُّورة الأولى، وكعود العشرة في صورة إقراضِ الخمسة عشر، فمكروه، وإلا فلا كراهةَ إلا خلاف الأولى على بعض الاحتمالات، كأن يحتاج المديونُ فيأبى المسؤولُ أن يقرض، بل يبيعُ ما يساوي عشرة بخمسة عشر إلى أجل فيشتريه المديون، ويبيعه في السُّوق بعشرة حالَّة، ولا بأس في هذا، فإن الأجلَ قابله قسط من الثمن، والقَرْض غير واجب عليه دائمًا، بل هو مندوب" (٢).
وبهذا نعرف أن التَّورُّق جائز عند الحنفية، وما نقل من الكراهة يُحْمَلُ على بيع العِيْنَة، أو لما في التَّورُّق من الإعراض عن مبرَّة الإقراض، ولا يلزم الكراهة كما بيَّنه ابن الهمام -﵀-.