بعضُ الباحثين ذهب إلى مشروعية الصُّورة الأولى، فالدكتور موسى آدم يقول: "في حال كون تلك المديونيات هي لمصارف أخرى، وليس للمصرف، الذي يقدم للعميل التَّمويل عن طريق التَّورُّق، هذه الحالة تبدو مقبولة، وتتفق مع الهدف الأساس، وهوالتحرر من ربقة الرِّبا، والدخول في المعاملات الإِسلامية، فهي لا تعارضُ أصلًا من الأصول الشرعية، فالعميل بعد أن يتَّورُّق يصبحُ حرًا في استخدامه المبلغ الذي حصل عليه بالطريقة التي يراها مناسبة له" (١).
والذي يبدو لي أنه يجبُ التفريق بين أمرين في الصورة الأولى:
الأمر الأول: مبدأ تسديد المديُونيَّة.
الأمر الثاني: تسديد المديُونيَّة عن طريق التَّورُّق المصرفي
فالأمرُ الأولُ لا يشكُّ أحد في مشروعيته، إذا كانت طريقة السَّداد مشروعة، فلو اشترى مدينٌ قد أتعبه ذلّ الدَّيْن سِّلعة من آخر بثمن مؤجَّل لغرض
_________________
(١) المرجع السابق (١٧).
[ ١٥٢ ]
بيعها، والانتفاع بثمنها في تسديد الدَّيْن الذي عليه، فهو أمر جائز إذا ثبتت حاجة المدين لتلك النقود.
وأما الأمر الثاني، وهو تسديدُ المديُونيَّة عن طريق التَّورُق المصرفي، فإن بعضَ الباحثين الذي أجاز هذا الأمر قد خلط بين الأمرين، فحكم بالجواز؛ لأنَّ هذه العملية -أعني: تسديد الدَّيْن عن طريق التَّورُّق المصرفي- سوف تحرِّره من الدَّيْن، وتخلِّصه من المصارفِ التقليدية، والحقيقة أن الغايةَ إذا كانت مشروعة، فإنها لا تبرر الوسيلة، بمعنى أن التخلصَ من ذل الدَّيْن هو غاية مشروعة، ولكن لا يعني هذا جواز الوسيلة، التي ستقودنا إلى هذه الغاية، فإنَّ عمليات التَّورُّق المصرفي يكتنفها العديدُ من الإشكاليات في إجراءاتها، وفي غاياتها، كما سيأتي بيانه.
فمن يرى جواز عملية سداد الدَّيْن عن طريق التَّورُّق المصرفي، فإنَّه حكم باعتبار مشروعية المآل والغاية لهذه العملية، وغضّ الطرف عن إجراءات العملية نفسها، وإذا تأمَلْنا كلامَ القائلين بالجواز -السابق ذكره في بداية المطلب- فإنَّه علل الجواز بأنه يحقّقُ الهدفَ الأساسَ من هذه العملية، وهو التحرر من ربقة الرِّبا، والديون، والدُّخول في المعاملات الإِسلامية.
ولذلك رأيتُ أنه لابدَّ من التفريق بين الأمرين، فتسديدُ المدْيُونيَّة أمر مشروع إذا كان بالطريق المشروع، وأما تسديدُ المديُونيَّة عن طريق التَّورُّق المصرفي، فهذا فيه نظر لما تحمله عمليةُ التَّورُّق المصرفي من الإشكاليات.