ذكرتُ سابقًا عند التَرجيح في مسألة حُكْم التَّورُّق الفردي أن الأصلَ في التَّورُّق هو الكراهة، ولكنه قد يجوزُ في بعض الأحيان عند توفر بعض الشُّروط، التي نصَّ عليها العلماء، وفي هذا المبحث سأقومُ بتفصيل تلك الشروط، وما يرد على بعضها من مناقشاتٍ، وهي على النحو التالي:
١ - أن لا يبيعَ المشتري السِّلعة على بائعها الأول، لا مباشرة، ولا بواسطة (١).
وهذا الشَّرْطُ هو الذي يميز بيعَ التَّورُّق عن بيع العِيْنَة، إذ لا فارقَ جوهريّ بين العِيْنَة والتَّورُّق إلا بهذا الشَّرْط؛ لأنَّ المشتري إذا باع السِّلعة على بائعها الأول، فقد وقع في العِيْنَة المحرمة، ولذلك جاء ذكر هذا الشَّرْط في تعريفِ التَّورُّق، فقد عرَّف مجمعُ الفقه الإسلامي التَّورُّق بأنه "شراء سلعة في حَوْزة البائع وملْكه بثمن مؤجَّل، ثم يبيع المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النَّقْد".
_________________
(١) هذا الشرط يفهم من كلام الفقهاء، الذين تحدثوا عن التَّورُّق، انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٩/ ٣٠٠ - ٣٠٣) والفروع لابن مفلح (٤/ ١٢٦) وكشاف القناع للبهوتي (٣/ ١٨٦) وقد نصت على هذا الشرط الموسوعة الفقهية (١٤/ ١٤٧) وقرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة عشرة. انظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي. ص (٣٢٠).
[ ١١٥ ]
وقد نصَّ على هذا الشَّرْط قرارُ مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة يوم السبت الحادي عشر من رجب عام (١٤١٩ هـ) حيث جاء فيه: "ثالثًا: جواز هذا البيع مشروط بأن لا يبيع المشتري السِّلعة بثمن أقل مما اشتراها به على بائعها الأول، لا مباشرة، ولا بالواسطة، فإن فعل فقد وقع في بيع العِيْنَة المحرم شرعًا، لاشتماله على حيلة الرِّبا، فصار عقدًا محرمًا" (١).
١ - أن تكون السِّلعة في حَوْزة البائع، وملكه (٢).
٢ - أن لا يبيع المستدين السِّلعة إلا بعد قبضها، وحيازتها (٣)؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن بيع السِّلع قبل أن يَحوزَهاْ التجارُ إلى رِحالهم (٤).
وقد نُوقش هذان الشَّرْطان بأنهما ليسا خاصَّين بالتَّورُّق، بل هما عامَّان في جميع البيوع، فلا يجوزُ بيع السلع قبل قبضها، ولكن قد يقال: إن واقعَ الكثير ممن يتعامل بهذه المعاملة يبيعُ سلعته قبل القبض، ولذلك نصَّ الشّيخُ ابن عثيمين -﵀- على الشَّرْط الثالث في فتواه، تنبيهًا لمن يتعاملُ بالتَّورُّق على هذا الشَّرْط، الذي هو عامّ في كل البيوع (٥).
_________________
(١) انظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الخامسة عشرة القرار الخامس. ص (٣٢٠).
(٢) المرجع السابق.
(٣) رسائل فقهية لابن عثيمين. ص (١٠٧).
(٤) انظر: سنن أبي داود. كتاب البيوع. باب: في بيع الطعام قبل أن يستوفى (٣/ ٢١٢) رقم (٣٤٩٩) وسنن البيهقي الكبرى. كتاب البيوع. باب: قبض ما ابتاعه جزافًا بالنقل والتحويل إذا كان مثله ينقل. (٥/ ٣١٤) رقم (١٠٤٦٣) والمستدرك على الصحيحين. كتاب البيوع (٢/ ٤٦) رقم (٢٢٧١). والحديث صححه ابن حبان.
(٥) رسائل فقهية لابن عثيمين. ص (١٠٧).
[ ١١٦ ]
٣ - أن يكون المُتَوَرِّق محتاجًا إلى النقود، فإن لم يكن محتاجًا فلا يجوز.
٤ - أن لا يكون هناك استغلالٌ من البائع، فإن وجد الاستغلال فيكره، ويزداد كراهةً، ويصل إلى التَّحريم كلما اشتدَّ الاستغلال.
٥ - أن لا يتمكَّن من الحصول على المال بطرق أخرى مباحة كالقرض، والسلم، فإن تمكّن من الحصول على المال بغير التَّورُّق، فلا يجوز له الدخول في التَّورُّق لوجود الطرق الأخرى الجائزة إجماعًا (١).
٦ - أن لا يشملَ العقدُ على ما يشبه صورة الرِّبا، مثل أن يقول: بعتك إياها العشرة أحد عشر، أو نحو ذلك، فإن اشتمل على ذلك فهو مكروه، أو محرم (٢).
وهذه الشروطُ إذا تحقّقت في بيع التَّورُّق يكون جائزًا لا كراهةَ فيه، وإذا اقترنتْ بهذه المعاملة ما يخلُّ بهذه الشروط، فلا يستبعد أن يتغير الحكم، إما إلى الكراهة كأن يلجأ إلى التَّورُّق مع وجود من يقرضه، أو أن يتغير الحكم إلى التَّحريم كاستغلال المحتاج.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) انظر: المرجع السابق.
[ ١١٧ ]