لمعرفة محلِّ النزاع لا بُدَّ من بيانِ أقسامِ الحيلة من حيثُ هي، إذ تنقسمُ إلى
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور (١١/ ١٨٦).
(٢) انظر الموافقات للشاطبي (٤/ ٢٠١).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٥٦).
[ ٤١ ]
ثلاثة أقسام، أغلبُها محلُّ اتفاقٍ، وبعضها الآخر محل نزاعٍ واختلافٍ، ولذلك لا بُدَّ من الإفصاح عنها، ثم أبين ما هو محلُّ الاتفاق منها، والاختلاف.
تنقسمُ الحيلةُ من حيثُ هي إلى ثلاثة أقسام (١)
١ - قسمٌ هو قُربة وطاعةٌ لله، إذ يُتوصَّل به إلى فعل ما أمر الله، وترك ما نهى عنه، والحيلةُ في هذا القسم مشروعةٌ ومحمودةٌ، ويُثابُ فاعِلُها، ومثالُ هذا النوع: الخداعُ بحقّ كما في الحروب، حيثُ قالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "الحَرْبُ خدْعَةٌ" (٢).
٢ - قسمٌ جائزٌ مباحٌ، ولا حَرَجَ على فاعله، ولا على تاركه، حيث يحتالُ للتوصُّل إلى الحق، أو لدفع الظلم بطرقٍ مباحةٍ لم تُوضع مُوصلة إلى ذلك، بل وُضعت لغيره، فيتَّخذها هو طريقًا إلى هذا المقصودِ الصَّحيح، ومثالُ هذا النوع: إذا سُرِقَ له متاعٌ فقال لامرأته: إنْ لم تُخْبريني مَنْ أخذه فأنت طالقٌ ثلاثًا، والمرأةُ لا تعلمُ مَنْ أخذه، فالحيلةُ للتخلُّص من هذه اليمين أن تذكرَ الأشخاصَ الذين لا يخرجُ المأخوذُ عنهم، ثم تفرد كلّ واحد وتقولُ: هو أخذه، فإنَّها تكونُ مخبرةً عن الآخذ، وعن غيره، فيبرّ في يمينه ولا تطلق.
٣ - قسم فيه احتيالٌ على المحظورات، وهذا القسمُ هو الذي جرى في بعض أنواعه الخلافُ، ولذلك يلزمُ ذِكْرُ الأنواعِ الدَّارجة تحت هذا القسم، وهي كالتالي:
_________________
(١) انظر هذه الأقسام بتفصيل أكثر في إغاثة اللهفان، لابن القيم (٢/ ٩٤، ١١٢) إعلام الموقعين، لابن القيم (٣/ ٣٣١).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحرب خدعة (٣/ ١١٠٢) رقم: (٢٨٦٦)، وانظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب (٣/ ١٣٦١) رقم: (١٧٣٩).
[ ٤٢ ]
أ- الطرقُ الخفيةُ التي يُتوصَّلُ بها إلى ما هو مُحَرَّم في نفسه، ومقصودُ صاحبها كما يظهر الشَّرُّ والظلمُ كالتَّحيُّل على هلاكِ النفوسِ، وهذه الحِيَل حُكْمُها التَّحريم باتفاقٍ، كما ذكر ابنُ القَيِّم.
ب- الطرقُ الخفيَّةُ التي يُتوصَّل بها إلى ما هو مُحَرَّم في نفسه، ولا يظهرُ أن مقصودَ صاحبِها الشَّر والظلم، بل يظهرُ أن قصده الخير، وهو في الحقيقةِ في باطن نفسه قَصْده الظُّلم والبغي، مثل إقرار المريض بوارثٍ وهو غيرُ وارث، إضرارًا بالورثة، وهذا حُكْمُه التَّحريم باتفاق، كما ذكر ابنُ القيِّم.
ج- ما هو مُباحٌ في نفسه، لكن يتوصَّل به إلى الحرام، كالسَّفر لِقَطْع الطريق وقَتْل الأنفس، فالحيلةُ هنا مُحَرَّمةٌ، حتى ولو كانت الحيلة، جائزةً من حيثُ هي، ولكن لما كانت وسيلةً إلى مُحَرَّم حرمت لكونها توصل إلى مُحَرَّم.
د- وهذا هو محلُّ النِّزاع، والذي جرى حوله خلافٌ بين العلماء: أن يقصدَ المحتالُ حَلَّ ما حَرَّمه الشَّارعُ، أو سقوط ما أوجبه بأن يأتيَ بسببٍ نَصَبَهُ الشَّارعُ سببًا إلى أمرٍ مباحٍ مقصود، فيجعله المحتالُ سببًا إلى أمرٍ مُحَرَّمٍ مقصود اجتنابه، ومثاله: الحِيَل الرَّبويةُ كالعِيْنَة الثنائية والثلاثية، والبعضُ من العلماء عَدَّ التَّوَرُّقَ الفردي والتَوَرُّقَ المصرفي من هذا النَّوع، ولهذا القسمِ أمثلةٌ كثيرةٌ، ولكن اقتصرتْ على ما يتعلَّق بموضوعِ البحث.
وبهذا نعلمُ أن النَّوعَ الرَّابعَ من أنواع القسم الثالث هو محلُّ النِّزاع، وبقية الأقسامِ هي محلُّ اتفاقٍ بين العلماء، كما ذكر ذلك ابنُ القيِّم ﵀.
[ ٤٣ ]