صرَّح الإمامُ الشَّافعي -﵀- بجواز العِيْنَة مخالفًا بذلك الجُمْهور، وقد أيَّد الجوازَ بقوة في كتابه (الأم) فقال: "فإذا اشترى الرجلُ من الرَّجلِ السِّلْعة
_________________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٣/ ٧٧).
(٢) الشرح الصغير على أقرب المسالك لأحمد الدردير (٣/ ١١٦).
(٣) الموافقات (٤/ ١٩٨).
[ ٦٤ ]
فقبضها، وكان الثمنُ إلى أجل فلا بأسَ أن يبتاعها من الذي اشتراها منه، ومن غيره بنقد أقل أو أكثر، ممَّا اشتراها به، أو بدين كذلك، أو عرض من العروض ساوى العرض ما شاء أن يساوي، وليست البيعةُ الثانيةُ من البيعة الأولى
بسبيلٍ" (١) ويفهمُ من هذا أنه إذا كان هناك ارتباطٌ بين البيعة الأولى والثانية، فلا تصحُّ العِيْنَة عنده.
وقد أطال --﵀-- في التَّدليل على جَوازِ العِيْنَة، ولم يذكرْ فيه أيّ كراهة، ويقول النَّوويُّ: "ليس من المناهي بيعُ العِيْنَة، وهو أن يبيعَ غيره شيئًا بثمن مؤجَّل، ويسلمه إليه، ثم يشتريه قبل قَبْضِ الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدًا، وكذا يجوزُ أن يبيعَ بثمن نقد، ويشتري بأكثر منه إلى أجل، سواء قبض الثَّمن الأول أم لا، وسواء صارتِ العِيْنَة عادة له غالبة في البلد أم لا، وهذا هو الصَّحيحُ المعروفُ في كتب الأصحاب، وأفتى أبو إسحاق الإسفراييني. . . بأنه إذا صار عادةً له صار البيع الثاني كالمشروط في الأول، فيبطلان جميعًا" (٢)
ويقولُ البغويُّ: "إذا باع شيئًا إلى أَجَل وسلم، ثم اشتراه قبل حُلُول الأجل يجوزُ سواء اشتراه بمثل ما باع، أو بأقل، أو بأكثر" (٣).
والجديرُ بالذِّكْر أن الشَّافعيَّ يرى العبرةَ في العقودِ بالظَّاهر، ولا تأثير لنية المتعاقدين على العَقْدِ، ولذلك أجاز بيع العِيْنَة، ويقول -﵀-: "لا يفسدُ عقدٌ أبدًا إلا بالعقد نفسه، لا يفسدُ بشيء تقدّمه ولا تأخره، ولا بتوهّم ولا بأغلب، وكذلك كلّ شيء لا نفسده إلا بعقده، ولا نفسد البيوع بأن نقولَ: هذه ذريعةٌ، وهذه نيةُ سوءٍ" (٤)
_________________
(١) الأم (٣/ ٧٨).
(٢) روضة الطالبين (٣/ ٤١٦).
(٣) التهذيب (٣/ ٤٨٩).
(٤) الأم (٧/ ٢٩٧).
[ ٦٥ ]
ولا يعني هذا أنَّ الشَّافعيَّ يجيزُ إضمارَ نية المحرمِ؛ لأنه يفرقُ بين صحة العقدِ وبين نيةِ العاقد، فإذا نوى شخصٌ ما هو محرم، فإنه يأثمُ ولا يستلزمُ بطلانَ العقد عنده، ولذلك يقولُ: "أصلُ ما أذهب إليه أنَّ كلَّ عقد كان صحيحًا في الظَّاهر، لم أبطله بتهمةٍ ولا بعادةٍ بين المتبايعين، وأجزته بصحَّة الظاهر، وأكره لهما النية إذا كانت النيةُ لو أظهرتْ كانت تفسدُ البيع" (١).
ويقول ابنُ حَجَر: "فالشَّافعيةُ يُجَوِّزون العقودَ على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إن مَنْ عمل الحِيَلَ بالمكر والخديعة يأثمُ في الباطن. . . فمن نوى بعقد البيع الرِّبا وَقَعَ في الرِّبا، ولا يخلِّصه من الإثم صورةُ البيع" (٢).
وبهذا نعرفُ أنَّ الشَّافعيةَ يرون جوازَ بيع العِيْنَة من غير كراهةٍ، غير أنَّ بعضَ المتأخِّرين من الشَّافعية يرون الكراهةَ مع صِحَّة العقد، يقولُ الأنصاريُّ: "ويُكْرَهُ بيعُ العِيْنَة. . . لما فيها من الاستظهار على ذي الحاجة، وهي أن يبيعَهُ عينًا بثمنٍ كثيرٍ مؤجَّل، ويسلمها له، ثم يشتريها منه بنقدٍ يسيرٍ، ليبقى الكثيرُ في ذِمَّتِه" (٣).
ويقول الرَّمْلِيّ: "البيعُ قد يُكْره كبيع العِيْنَة، وكل بيعٍ اختلف في حلِّه كالحِيَل المخرجةِ من الرِّبا" (٤).
ممَّا سبق أستطيعُ القولَ بأنَّ الشَّافعيةَ يُروى عنهم رأيان في بيع العِيْنَة:
الأول: الجوازُ كما صرَّح به المتقدمون منهم كالشَّافعي، والنَّووي، والبغوي، ويُشترطُ للجواز أمران:
_________________
(١) المرجع السابق (٣/ ٧٤).
(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٣٧).
(٣) أسنى المطالب (٢/ ٤١).
(٤) نهاية المُحتاج شرح المنهاج (٣/ ٤٧٧).
[ ٦٦ ]
أ- ألا يكونَ هناك ارتباطٌ بين العقدين.
ب- ألا يكونَ العقدُ الثَّاني مشروطًا في العقد الأول، فإذا كان مَشْروطًا بالنَّصِّ عليه، أو بدلالة العرف والعادة، فإنهما يبطلان جميعًا، كما أفتى به أبو إسحاق الإسفراييني.
الثاني: الكراهةُ كما قال به المتأخِّرون كالأنصاري، والرَّملي.