كما ذكرت سابقًا أنَّ المالكية يذكرون بيعَ العِيْنَة تحت بيوعِ الآجال التي ظاهرها الجواز، ولكنها تُؤدِّي إلى المحظور (١)، وهم من أشدِّ المذاهب في مَنْع العِيْنَة، فهم يوجبونَ فَسْخَ مثل هذا البيع ما دامت السِّلْعةُ قائمةً، يقول ابنُ رشد: "فإذا باع الرجلُ سلعةً بثمن إلى أجلٍ، ثمّ ابتاعها منه بأقلّ من ذلك الثّمن نقدًا، فسخت البيعتان جميعًا عند ابنِ الماجشون، وهو الصَّحيحُ في النظر" (٢)، ويقول أيضًا: "أصلُ ما بُنِي عليه هذا الكتاب -يعني: كتابَ بيوع الآجال- الحكم بالذَّرائع، ومذهب مالك -﵀- القضاء بها، والمنع منها، وهي الأشياءُ التي ظاهرها الإباحةُ، ويتوصَّل بها إلى فِعْل المحظور، ومن ذلك البيوعُ التي ظاهرها الصحَّة، وُيتوصَّل بها إلى استباحة الرّبا، وذلك مثل أن يبيعَ الرجلُ سلعةً من رجل بمئة إلى أجلٍ، ثم يبتاعُها بخمسين نقدًا، فيكونان قد توصَّلا بما أظهراه من البيع الصَّحيح إلى سلف خمسين دينارًا في مئة إلى أجل، وذلك حرام، ولا يجوز" (٣).
ويقول القرافيُّ: "إنا نمنعُ أن يكونَ العقدُ الثاني من البائع الأول" (٤) وذكر الدسوقي أن شُروطَ بيوع الآجال المتطرق إليها التُّهمة خمسة، وذكر منها "أن
_________________
(١) انظر: الشرح الصغير على أقرب المسالك لأحمد الدردير (٣/ ١١٦) وانظر: المقدمات الممهدات. لابن رشد القرطبي (٢/ ٥٢٤).
(٢) المقدمات الممهدات لابن رشد القرطبي (٢/ ٥٣٥).
(٣) المرجع السابق (٢/ ٥٢٤).
(٤) الفروق (٣/ ١٠٥٦).
[ ٦٣ ]
يكونَ البائعُ ثانيًا هو المشتري أولًا، أو من تنزل منزلته، والبائعُ أولًا هو المشتري ثانيًا، أو من تنزل منزلته" (١).
وحينما نتأمَّلُ نصوصَ المالكية في بيع العِيْنَة نرى أنَّهم قد بنوا حُكْمَ التحريم على قاعدة من قواعد المذهب المالكي، وهي [سدُّ الذَّريعة]، يقول الدّردير عن بيوع الآجال: "وهو بيعٌ ظاهره الجوازُ لكنه يُؤدِّي إلى مَمْنوع، فيمنع ولو لم يقصدْ فيه التَّوصُّل إلى الممنوع، سدًّا للذَّريعة، التي هي من قواعدِ المذهب. . . كبيعة سلعة بعشرةٍ لأجل، ثم يشتريها بخمسة نقدًا، فقد آل الأمرُ إلى رُجُوع السلعة، وقد دفع قليلًا عاد إليه كثيرًا" (٢).
ويقول الشَّاطبي: "الذَّرائعُ التي حكَّمها مالك في أكثر أبواب الفقه؛ لأنَّ حقيقتها التَّوسُّل بما هو مصلحةٌ إلى مفسدة، فإنَّ عاقدَ البيع أولًا على سلعة بعشرةٍ إلى أجل ظاهرِ الجوازِ، من جهة ما يتسببُ عن البيع من المصالح على الجملة، فإذا جعل مآل ذلك البيعِ مؤدِّيًا إلى بيع خمسة نقدًا بعشرة إلى أجل، بأن يشتري البائعُ سلعته من مشتريها بخمسةٍ نقدًا، فقد صار مآلُ هذا العمل إلى أن باع صاحبُ السلعة من مشتريها منه خمسة نقدًا بعشرةٍ إلى أجل، والسِّلْعَةُ لغوٌ لا معنى لها في هذا العمل؛ لأنَّ المصالحَ التي لأجلها شُرعَ البيعُ لم يوجدْ منها شيء" (٣).