إذا سرق رجل من غيره أو غصب ماءً فتوضأ به، هل يصح وضوءه؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن من سرق ماءً فتوضأ به آثم، ويرتفع حدثه، ويُزال خبثه، واستدلوا لذلك بأن الجهة منفكة، فهو قد تطهر طهارة صحيحة، وعليه إثم الغصب أو السرقة، وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية (^٣).
وذهب الحنابلة في المشهور إلى أنه لا يصح الوضوء بالماء المسروق أو المغصوب (^٤).
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٥).
قال ابن حزم: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الله تَعَالَى وَأَمْرُ رَسُولِ الله ﷺ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِحُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله فهو مردود غير مقبول (^٦).
واستدلوا بما رُوِى عَنْ عَطَاءِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصلي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ»، قَالَ: فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ يَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ يُصلى وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ وَإِنَّ الله ﷿ لَا يَقْبَلُ
_________________
(١) «الأوسط» (٢/ ١٦٦).
(٢) «إغاثة اللهفان» (١/ ١٧٦).
(٣) «تبيين الحقائق» (١/ ٤٨)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٤)، و«المجموع» (٢/ ٢٩٥).
(٤) «الإنصاف» (١/ ٢٨)، و«المبدع» (١/ ٤٠).
(٥) مسلم (١٧١٨).
(٦) «المحلى» (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
[ ٥٠ ]
صَلَاةَ عَبْدٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ» (^١).
واعترض عليه بأن هذا الحديث منكر؛ لأنه إذا كان الله لم يقبل صلاة مسبل إزاره، فلماذا أمره بإعادة الوضوء وهو لم يُحدث؟
الراجح: أن الماء المغصوب تصح الطهارة به مع الإثم، فجهة المنع من قِبل الغصب لا من قِبل الطهارة، ولا يكون النهي مقتضيًا لفساد المنهي عنه إلا إذا عاد النهي إلى ذات العبادة، والله أعلم.