تطلق الطهارة في اللغة على معانٍ:
الأول: الطهارة تطلق على النظافة نقيض النجاسة.
الثاني: تطلق على طهارة القلب من الشرك، ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] بكفرهم، وطهارة المشرك بإسلامه؛ ولذا قال النبي ﷺ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^١).
الثالث: تطلق على الطهارة من الذنب بالتوبة وإقامة الحد، ومنه قول ماعز والغامدية: «يَا رَسُولَ الله إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي» أي: بإقامة الحد.
الرابع: تطلق الطهارة على النزاهة والكف عن الإثم وما لا يحل، قال تعالى عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] يتنزهون عن إتيان الذكور.
الخامس: تطلق الطهارة على الحلال والبعد عن الحرام، ومنه قوله تعالى عن قوم لوط ﵇: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] حلال لكم بالزواج بهن، ولا يحل لكم إتيان الذكور.
السادس: تطلق الطهارة على طهارة القلب من الريبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.
السابع: تطلق على انقطاع دم الحيض، ومنه قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
_________________
(١) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).
[ ١٢ ]
الثامن: تطلق الطهارة على الاغتسال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
التاسع: تطلق الطهارة على الاستنجاء بالماء، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، نزلت في أهل قباء، كانوا يستعملون الماء في الاستنجاء.
العاشر: تطلق الطهارة على السلامة من سائر المستقذرات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥].
الحادي عشر: تطلق على الطهارة من الفاحشة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] من الفاحشة (^١).
والطهارة في الشرع: هي رفع الحدث وإزالة النجس أو الخبث (^٢).
فرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء، ومنه قوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» معنى أحدث: أي: أحدث الحدث الأصغر من بول أو غائط أو ريح، الذي يجب منه الوضوء، دل على ذلك قوله ﷺ: «حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
والاحتلام حدث أكبر يكون رفعه بالاغتسال، وكذا الحيض، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: فإذا اغتسلن بعد انقطاع دم الحيض فيحل لكم وطؤهن.
ومعنى «إزالة النجس» أي: إزالة النجس عن البدن، والثوب، والمكان، والإناء.
فإزالة النجاسة عن البدن تكون بالاستنجاء أو الغسل، فهذا رجل يعذب في قبره لعدم نظافة بدنه، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﴿، أن النبي ﷺ مر عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا
_________________
(١) انظر: «لسان العرب» (٤/ ٥٠٤)، و«القاموس المحيط» (ص ٤٥٤)، و«مختار الصحاح» (٢/ ٣٧٩)، و«نزهة الأعين النواظر»: (ص: ٤٢١).
(٢) «الجوهرة النيرة» (١/ ٢)، و«مواهب الجليل» (١/ ٤٣ - ٤٤)، و«المجموع» (١/ ١٢٣)، وقال ابن قدامة «المغني» (١/ ٣٤): رفع الحدث: رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ، أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ.
[ ١٣ ]
يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (^١).
وإزالة نجاسة الثوب بطهارته؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
وإزالة النجاسة عن المكان الذي يصلي فيه تكون بتطهيره من النجاسات، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أنس: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ» قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْه (^٢).
فصبُّ الماء على بول الأعرابي حين بال في المسجد دليل على وجوب تطهير المسجد عن النجاسات، ووجوب طهارة المكان الذي يصلي فيه المرء.
وإزالة النجاسة عن الإناء الذي يتطهر منه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (^٣).
وقد جمع الله في آية بين رفع الحدث وإزالة النجس؛ فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ من النجس، الذي هو انقطاع دم الحيض، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن من الحدث الأكبر بعد الطهارة من الحيض، حل لكم وطؤهن.
_________________
(١) البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).
(٢) البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٨٤).
(٣) رواه مسلم (٢٧٩).
[ ١٤ ]