اختلف أهل العلم في حكم الماء المستعمل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الماء المستعمل طهور، وبه قال المالكية، ورواية عن الحنابلة (^٤).
واستدلوا بالقرآن والسنة والمعقول:
أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواءٌ كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، والله ﷾ أوجب التيمم على من لم يجد الماء.
وأما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين عن عائشة ﵄ قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ
_________________
(١) «البحر الرائق» (١/ ٩٥)، و«المبسوط» (١/ ٥٣).
(٢) «حاشية الدسوقي» (١/ ٧٥ - ٧٦)، و«الاستذكار» (١/ ٢٥٣).
(٣) «المجموع» (١/ ٢١٥)، وقال ابن قدامة في «المغني» (١/ ٣٠٠): إذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَلَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِارْتِفَاعِ حَدَثِهِ فِيهِ ..
(٤) «الشرح الصغير» (١/ ٣٧)، و«بداية المجتهد» (١/ ٢٧٤)، و«الإنصاف» (٥/ ٣٥).
[ ٢٦ ]
ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ (^١)». ولا شك أن الإناء لا يسلم من رشاش يقع فيه من أحدهما، وهذا يدل على أن الماء المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ طهور.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسَ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» (^٢) فإذا كان المسلم بدنه طاهرًا لاقى ماء طاهرًا، فالتقاء طاهر بطاهر لا يُفقد الماءَ الطُّهُورية.
واستدلوا بحديث الرُّبيع، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِينَا، فَيُكْثِرُ، فَأَتَانَا فَوَضَعْنَا لَهُ الْمِيضَأَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، مَرَّةً مَرَّةً، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ (^٣).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ مسح رأسه - وهو فرض - بالماء المتبقي من غسل يديه، وهو ماء مستعمل بلا شك، استعمل في رفع الحدث.
واستدلوا بأن الماء المتردد على العضو طهور بالإجماع، مع أنه يمر على أول اليد، ثم يمر على آخرها، ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو، وهذا ماء مستعمل بيقين.
قال ابن حزم: فَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي أَنَّ كُلَّ مُتَوَضِّئٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ بِهِ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ إلَى مِرْفَقِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ عُضْوٍ فِي الْوُضُوءِ وَفِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ وَالْحِسِّ يَدْرِي كُلُّ مُشَاهِدٍ لِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ قَدْ وُضِّئَتْ بِهِ الْكَفُّ وَغُسِلَتْ، ثُمَّ غُسِلَ بِهِ أَوَّلُ الذِّرَاعِ ثُمَّ آخِرُهُ، وَهَذَا مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بِيَقِينٍ، ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّ يَدَهُ إلَى الإِنَاءِ وَهِيَ تَقْطُرُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي طَهَّرَ بِهِ الْعُضْوَ، فَيَأْخُذُ مَاءً آخَرَ لِلْعُضْوِ الآخَرِ، فَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ
_________________
(١) البخاري (٢٦١)، ومسلم (٣٢١).
(٢) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).
(٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٨)، وأبو داود (١٣٠)، وابن ماجه (٤١٨) وغيرهم، ومدار الحديث على عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تفرد به، وهو ضعيف.
[ ٢٧ ]
سَلِيمٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَهِّرْ الْعُضْوَ الثَّانِي إلاَّ بِمَاءٍ جَدِيدٍ قَدْ مَازَجَهُ مَاءٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ آخَرَ، وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ» (^١).
واستدلوا بأن الماء إذا استعمل في التبرد والتنظيف فهذا الماء المستعمل طهور بالإجماع يجوز الوضوء به.
قال ابن قدامة: إَنَّ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (^٢).
قلت: فعُلم أن الماء إذا استعمل في التبرد والتنظيف، ولم يرد به رفع الحدث، كان طهورًا بالإجماع، فبأي دليل يخرج عن طهوريته إذا نوى به رفع الحدث؟! وهل النية تُخْرجه عن طهوريته، والنية محلها القلب؟!
القول الثاني: ذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة أن الماء المستعمل طاهر غير طهور (^٣).
واستدلوا بما ورد في البخاري عن المسور ومروان بن الحكم، قالا: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ زَمَنَ الحُدَيْبِيةَ». .. وفيه: وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ (^٤).
وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله، قال: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ (^٥).
وروى البخاري عن أبي جحيفة، قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ) (^٦).
فاستعمال الصحابة وضوء النبي ﷺ والتمسح به دليل على أنه الماء المستعمل طاهر.
_________________
(١) «المحلى» (١/ ١٨٤).
(٢) «المغني» (١/ ٣٤).
(٣) «شرح فتح القدير» (١/ ٨٧)، و«الأم» (٨/ ١٠٠)، و«الإنصاف» (١/ ٣٥، ٣٦).
(٤) البخاري (٢٧٣٤).
(٥) البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦).
(٦) البخاري (١٨٧).
[ ٢٨ ]
قلت: وما المانع أن يكون طهورًا يرفع به الحدث ويُزَالُ به الخبث؟
واستدلوا بأن الماء المستعمل طاهر غير طهور بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (^١). فنهى النبي ﷺ عن الاغتسال في الماء الدائم حتى لا يصير مستعملًا (^٢)؛ وذلك لأن الاغتسال يؤثر في الماء.
واعترض عليه بأن قولهم: (حتى لا يصير مستعملًا) ليست علة نص عليها الحديث. ولو قلنا بأن هذه علة في الغسل، فهل يمنع الوضوء من الماء الدائم؟ فدل ذلك على بطلان هذه العلة، ثم إنهم قالوا: لو انغمس في الماء بدون نية رفع الحدث فالماء طهور؛ فهل النية تحول الماء والنية محلها القلب؟! وقد تكون العلة من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم أنه قد يبول فيه فيؤثر في الماء.
واستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه احتاجوا في أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى، ولو كان طهورًا لجمعوه؛ لأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء (^٣).
ويجاب عنه: بأن الصحابة﴾ كانوا يقتصدون في الوضوء، وقد ثبت من حديث أنس المتفق عليه قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ الحديث.
فكيف يمكن جمع هذا الماء؟! ولو أمكن جمعه لكان في ذلك مشقة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن، كما أن كونه لم يُجمع لا يدل على أنه لا يُتطهر به؛ ولهذا لم يجمعوه للشرب مع طهارته، وحاجتهم للشرب آكد، ولم يجمعوه لغير الشرب كالعجن والطبخ والتبرد، فعدم جمعه ليس دليلًا على عدم طهوريته.
واستدلوا بأن الماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق.
_________________
(١) مسلم (٢٨٣).
(٢) «المجموع» (١/ ٢٠٦).
(٣) «المجموع» (١/ ٢٠٦).
[ ٢٩ ]
واعترض عليه بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فيشمل الماء المستعمل وغيره. وخرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه.
واستدلوا بأن الماء استعمل في عبادة واجبة، فلا يمكن أن يستعمل في عبادة أخرى، كالعبد إذا أعتق لا يمكن أن يعتق مرة أخرى.
واعترض عليه: بأن العبد إذا أعتق صار حرًّا فكيف يعتق مرة أخرى؟!
القول الثالث: ذهب أبو حنيفة في رواية إلى أن الماء المستعمل نجس (^١).
واستدلوا لذلك بالقرآن والسنة:
أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يُعقل (^٢).
واعترض على قولهم: (والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة) من وجوه:
الأول: أن تجديد الوضوء يطلق عليه طهارة شرعية مع أنه متطهر.
الثاني: لو كان المحدث نجسًا لما صح حمل النبى ﷺ لأُمَامَةَ في الصلاة؛ فعن أبي قتادة ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُصلي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ الله ﷺ.
الثالث: المتوضئ لا بد أن يتساقط على ثوبه من الماء المستعمل، ومعنى ذلك أنه سوف تتنجس ثيابه، فهل حَكَم أحد بالنجاسة؟
الرابع: إنما سُمِّيَ الوضوء والغسل طهارة لرفع الحدث، ولنفي الذنوب، كما صح في الأخبار (^٣).
أما دليلهم من السنة: فما روى مسلم عن أبي أُمَامَة، قال عمرو بن عَبَسَة السُّلَمِي: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ
_________________
(١) «البناية» (١/ ٣٥٠)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٠١).
(٢) «البناية» (١/ ٣٥٣، ٣٥٤).
(٣) «المغني» (١/ ٤٨).
[ ٣٠ ]
لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^١).
وجه الدلالة: أن الخطايا نجاسات، فيتنجس الماء المستعمل بها؛ ولذا يكون نجسًا.
واعترض عليه: بأن العبد إذا أذنب لا ينتقض وضوؤه، ولا يقال: إنه تنجس، وأن الذنوب ليست شيئًا حسيًّا يخالط الماء فينجسه.
قال ابن حزم: وَمَا عَلِمْنَا لِلْخَطَايَا أَجْرَامًا تَحِلُّ فِي الْمَاءِ.
وقال النووي: وَالْمُرَادُ بِخُرُوجِهَا مَعَ الْمَاءِ الْمَجَازُ وَالِاسْتِعَارَةُ فِي غُفْرَانِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ فَتَخْرُجَ حَقِيقَةً (^٢).
الدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَبُلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ» (^٣).
_________________
(١) مسلم (٨٣٢).
(٢) «شرح مسلم» (٣/ ١٣٣).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٣)، وأبو داود (٧٠) وغيرهما من طريق محمد بن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة به. وقد حدث خلاف على ابن عجلان. وقد روى الحديث جماعة من الثقات الأثبات كالأعرج، وابن سيرين، وهمام بن همام وغيرهم بغير هذا اللفظ، كما في الصحيحين وغيرهما. قال النووي «المجموع» (١/ ٢٠٤): رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ يَفْعَلُ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا. فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ خِلَافُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رِوَايَةُ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وحديث ابن عجلان شطره الأول: «لا يَبُلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» له شواهد في الصحيحين، وثبت في مسلم: «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» يشهد لقوله: «وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ»، ولكن علة حديث ابن عجلان أنه جمع حديثين في حديث واحد.
[ ٣١ ]
وجه الدلالة: أن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم جاء مقرونًا بالنهي عن البول فيه، وإذا كان البول ينجسه فكذا الاغتسال.
واعترض عليه: بأن «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» لو صح فالاشتراك في النهي لا يلزم منه الاشتراك في الحكم. ولهذا أدلة كثيرة منها: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والأكل للإباحة، ﴿وآتوا حقه﴾ على الوجوب.
والراجح: أن الماء المستعمل طهور، يجوز التطهر به إذا أطلق عليه ماء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواءٌ كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، ولم يرد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع يُخرج الماء المستعمل من عموم الآية.
قال ابن المنذر: وَفِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّدَى الْبَاقِيَ عَلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ وَمَا قَطَرَ مِنْهُ عَلَى ثِيَابِهِمَا طَاهِرٌ - دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَإِذَا كَانَ طَاهِرًا فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَرْجِعُ إِلَيْهَا مَنْ خَالَفَ الْقَوْلَ (^١).