اختلف العلماء في نجاسة الخمرعلي قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الخمر، وهو قول الأئمة الأربعة (^١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. فالله وصف الخمر بأنها رجس، أي: نجسة نجاسة حسية.
واعترض عليه من وجوه:
الأول: أن الله قرن بين الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، وإذا كان الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة نجاسة حسية، عُلم أن الخمر كذلك.
الثاني: أن في الآية قرينة تدل على أن الرجس يطلق على النجاسة المعنوية وليست الحسية، وهى قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، وعمل الشيطان ليس حسيًّا، وإنما هو معنوي، أي: إن الشيطان يزين الخمر. وقد دلت آيات من الكتاب العزيز على أن الرجس يطلق على النجاسة المعنوية، وهي نجاسة الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، والآيات كثيرة.
الثالث: ما قاله النووي: وَلَا يَظْهَرُ مِنْ الْآيَةِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّجْسَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ
_________________
(١) «فتح القدير» (٩/ ٣١ - ٣٢)، و«المنتقى» (١/ ٤٣)، و«الأم» (١/ ٥٢)، و«المغني» (١/ ٤٩).
[ ١٠٤ ]
الْقَذَرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ، وَكَذَا الْأَمْرُ بِالِاجْتِنَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّجَاسَةُ (^١).
الرابع: عن ابن عباس: قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠].، يقول: سخط (^٢).
واستدلوا بما روى الطيالسي، عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي بِأَرْضٍ أَهْلُهَا أَهْلُ الْكِتَابِ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَكَيْفَ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ فَقَالَ: «دَعُوهَا مَا وَجَدْتُمْ مِنْهَا بُدًّا، فَإِذَا لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ» - أَوْ قَالَ: «اغْسِلُوهَا، ثُمَّ اطْبُخُوا فِيهَا وَكُلُوا» - قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: «وَاشْرَبُوا» (^٣).
وجه الدلالة: أن غسل الأواني بسبب أكل لحم الخنزير وشرب الخمر - دليل على نجاستهما.
واعترض عليه بأن لفظة: (يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ) ضعيفة لعلتين:
الأولى: أن أبا قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة.
الثانية: أن الحديث في الصحيحين بدون زيادة أكل لحم الخنزير وشرب الخمر.
واستدلوا بأنه إذا كان حرم بيع الخمر وعدم الانتفاع به، وقد أمر الرسول بإراقتها، فهذا دليل على النجاسة.
واعترض عليه: بأنه لا يشترط أن يكون كل حرام نجسًا، وقد قرن بين تحريم الخمر وتحريم بيع الأصنام، والأصنام ليست نجسة، ولكن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، وهناك بعض الأشياء يحرم بيعها ويجوز الانتفاع بها، كما في الحديث: أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى
_________________
(١) «المجموع» (٢/ ٥٨٢).
(٢) ضعيف: أخرجه الطبري «تفسيره» (٧/ ٣٢).
(٣) أخرجه الطيالسي (١٠١٤)، ولفظ الصحيحين: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا …».
[ ١٠٥ ]
بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». أي: البيع حرام، أما الانتفاع بالميتة في طلي السفن والاستصباح، ودهن الجلود، وغير ذلك من وجوه الانتفاع فمباح.
القول الآخر: أن الخمر طاهرة، وبه قال ربيعة، وبعض الشافعية، وداود (^١).
واستدلوا بأن الأصل طهارة الشيء، والنجاسة تحتاج إلى دليل يقتضي نجاسة الخمر، والأدلة التي ذكروها تدل على تحريم الخمر، وليس فيها دليل صحيح صريح على نجاسة الخمر، والسم محرم الأكل وليس نجسًا.
وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ ﵁: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا. فَخَرَجْتُ، فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ» (^٢) ولو كانت الخمر نجسة لما سُكبت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ لأن النبي ﷺ نهى عن التخلي في طريق الناس، ولم يرد أنهم غسلوا الأواني ولو كانت الخمر نجسة لغُسلت الأواني بعد إراقتها.
والراجح: أن الأصل في الأعيان الطهارة، ولم يأت دليل صحيح صريح يفيد نجاسة الخمر، والأدلة التي وردت تفيد تحريم الخمر، وعدم الانتفاع بها، وعدم بيعها وليس فيها ما يفيد النجاسة.