سواء كان محدثًا، أم غير محدث، وسواء كان حدثًا أكبر أم أصغر:
أجمع العلماء على طهارة المسلم إذا كان متطهرًا من الحدث الأكبر والأصغر (^١)، وإذا أحدث حدثًا أكبر كالجنابة أو أصغر كالبول؛ فإنه طاهر عند جمهور العلماء.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^٢).
وجه الدلالة: أن أبا هريرة ﵁ كان جنبًا وهو حدث أكبر، وقال له النبي ﷺ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، ولو كان المحدث نجسًا لما حمل النبي ﷺ أمامة بنت زينب وهو يصلي، ومعلوم أن أمامة كانت جارية وهي على حدث؛ ففي الصحيحين من حديث أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ: كَانَ يُصلي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٣).
وروى مسلم عن عَائِشَةَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ، قَالَ لَهَا: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسجدِ»، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ» (^٤)، أي: لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى.
_________________
(١) انظر «شرح النووي» لمسلم (٣/ ٢٦٧).
(٢) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).
(٣) البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣).
(٤) مسلم (٢٩٨).
[ ٨٣ ]
والأدلة على أن المسلم طاهر سواء كان محدثًا أم غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر متوافرة ومتضافرة.
قال شيخ الإسلام: وَأَبْدَانُ الْجُنُبِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ طَاهِرَةٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قولُ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَلَوْ سَقَطَ الْجُنُبُ فِي دُهْنٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ (^١).
وذهب الحنفية في قول إلى أن من أحدث فهو نجس نجاسة حكمية (^٢).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يُعقل.
واعترض عليه بأن تجديد الوضوء يسمى طهارة مع أنه متطهر، فلا يشترط أن تكون الطهارة عن نجاسة، وأبو هريرة ﵁ لما اعتبر أن حدثه نجاسة أخبره النبي ﷺ بقوله: «المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».
والصحيح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من طهارة بدن المسلم، سواء كان محدثًا أم غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر.