اختلف أهل العلم في نجاسة عين الكلب على قولين:
القول الأول: أن الكلب نجس، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).
واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (^٢).
_________________
(١) «البناية» (١/ ٣٦٧، ٤٣٥)، و«الأم» (١/ ٥، ٦)، و«الفروع» (١/ ٢٣٥).
(٢) صحيح دون لفظة: «أولاهن بالتراب» فهي شاذة، فالحديث يرويه عن أبي هريرة جمع من التابعين بدون زيادة: «أولاهن بالتراب» منهم: (همام بن منبه وعبد الرحمن الأعرج، وأبو صالح، وأبو سلمة، وأبو رزين، وثابت بن عياض، وعبيد بن حنين، وعطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي كريمة) فكلهم رووه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ غُسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ». وخالف الجماعة الثقات محمد بن سيرين من وجه وزاد لفظة: «أولاهن بالتراب» عند مسلم (٢٧٩). وقد حدث خلاف على ابن سيرين مرة بإثباتها، ومرة بدونها، ومرة يقول السابعة، ومرة يقول «أولاهن»، ومرة «أخراهن». وقد حدث عليه خلاف في الرفع والوقف فهذا يسقط رواية ابن سيرين. وقد تابع ابن سيرين الحسن البصري عند الدارقطني جزء أبي الطاهر (٩٨) ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. وقد تابعهما نفيع بن أبي الحارث عند النسائي (٣٣٧) وقد قال البيهقي عن هذا الحديث: هذا حديث غريب. فالحاصل أن زيادة «أولاهن بالتراب» شاذة روى الحديث الثقات عن أبي هريرة بدونها. قال أبو داود وابن عبد البر: رواه الأعرج، وأبو صالح، وثابت الأحنف، وهمام بن منبه، وعبد الرحمن أبو السري، وعبيد بن حنين، وثابت بن عياض مولى عبد الرحمن بن زيد، وأبو سلمة كلهم عن أبي هريرة، ولم يذكر «التراب».
[ ٧٣ ]
فقوله: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» يدل على النجاسة التي حلت بولوغ الكلب فيه، وإذا كان الماء الذي في الإناء يتنجس بلعاب الكلب فلعابه نجس، وإذا كان لعابه نجسًا فيقاس عليه عرقه وبوله وسائر جسده.
واستدلوا أيضًا بما روى مسلم عن ابن عباس، قال: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللهِ مَا أَخْلَفَنِي» قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: «قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ» قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ.
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أخرج الكلب وأخذ بيده ماء فنضح مكانه، فهذا يدل على نجاسة الكلب.
القول الآخر: أن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة، والمالكية (^١).
واستدلوا بعموم القرآن والسنة:
فأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
وجه الدلالة: أن الله أباح لنا الأكل مما أمسكت الكلاب، ولو كان المكان الذي أمسكت منه الكلاب نجسًا لأمر بالغسل مكانه.
واعترض عليه بأنه كيف يستدل على طهارة الكلب بأنيابه ولعابه الذي نص النبي ﷺ على نجاسته، ثم إن من العلماء من قال بوجوب غسل ما أصاب الكلب لنجاسته.
_________________
(١) «فتح القدير» (١/ ٩٣، ١٠٢)، و«المدونة» (١/ ٥، ٦).
[ ٧٤ ]
قال النووي: لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله، بخلاف الإناء (^١).
ثم إن الآية أنه يباح الأكل مما أمسكت الكلاب المعلمة، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، ثم إن الآية عامة، والأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب حديث خاص يدل على نجاسة لعاب الكلب، وهذا دليل خاص، والخاص يقدم على العام.
أما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر قال: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (^٢).
واعترض عليه من وجهين:
الأول: نُقل الإجماع على نجاسة بول الكلب، فكيف يستدل به على طهارة الكلب؟!
الثاني: أن النجاسة قد تطهر بالاستحالة، فإن لم تغسل فقد تطهرها الشمس.
الراجح: أن الكلب نجس، والدليل أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وليس مرة بل سبع مرات الأولى بالتراب، وإذا كان لعابه نجسًا فكذا سائر جسده.