اختلف العلماء في الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره - على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء إذا كان قليلًا فإنه ينجس وإن لم يتغير، وإذا كان كثيرًا فإنه لا ينجس إلا بالتغير (^٣).
واستدلوا بحديث ابن عمر، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (^٤).
_________________
(١) «الإجماع» (ص: ٣٣)، و«الأوسط» (١/ ٢٦١)
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٥)، ونقل الإجماع ابن الهمام «شرح فتح القدير» (١/ ٧٧ - ٧٨)، وأبو الوليد بن رشد «مواهب الجليل» (١/ ٥٣)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ١٠٨)، والطبري، وابن حزم، وابن قدامة، وابن تيمية وغيرهم كثير.
(٣) وبه قال الحنفية، والشافعية، وقول عند الحنابلة، كما في «شرح «فتح القدير» (١/ ٧٠)، و«الأم» (١/ ١٨)، و«الكافي» (١/ ٨).
(٤) هذا الحديث قد اختلف في سنده ومتنه: أولًا: السند. فمدار الحديث على الوليد، واختلف عليه: أ - فرواه أبو أسامة عن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر به. أخرجه أبو داود (٦٣). ب -عن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله، عن ابن عمر به. أخرجه النسائي (٣٢٨). ج - ورواه محمد بن إسحاق عن الوليد، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله، عن ابن عمر به. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣) وغيره. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث. د - وعن الوليد، عن محمد بن جعفر، ومحمد بن عباد، عن عبد الله، عن ابن عمر به. أخرجه أبو داود (٦٣). وللاختلاف في هذا الحديث فقد حكم عليه ابن المبارك، وابن عبد البر، وابن العربي، وابن القيم بالاضطراب، كما في «الأوسط» (١/ ٢٧١)، و«التمهيد» (١/ ٣٣٥)، و«عارضة الأحوذي» (١/ ٨٤)، و«تهذيب السنن» (١/ ٦٢). وقد رجح أبو داود (٦٣) طريق أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر، عن عبد الله، عن أبيه. ثانيًا: الخلاف في المتن.
(٥) رُوِى الحديث: «إذا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الخَبَثَ».
(٦) ورُوِى: «إذا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أو ثلاثًا …» على الشك. وهذه الرواية من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، واختلف على حماد فرواه جماعة على الشك. مثل: (وكيع، ويزيد بن هارون، وعفان … وغيرهم)، كما عند أحمد (٢/ ٢٣، ١٠٧)، وابن ماجه (٥١٨)، والدارقطني (١/ ٢٢)، وغيرهم. وخالفهم جماعة، مثل: (موسى بن إسماعيل والطيالسي، وغيرهما)، عن حماد به بدون شك. قلت: لعل هذا الشك من قِبل حماد؛ لأنه رواه عنه الثقات على كلا الوجهين. قال البيهقي «السنن» (١/ ١٦٢): ورواية الجماعة الذين لم يشكوا أَوْلى.
(٧) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». أخرجه ابن عدي «الكامل» (٦/ ٣٤)، والدارقطني (١/ ٢٦)، وفي إسناده: القاسم بن عبد الله العمري: متروك. وعن أبي هريرة موقوفًا: (إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ). أخرجه أبو عبيد «الطهور» (ص: ٢٣١). وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. فاللفظ الصحيح: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ».
[ ٤١ ]
فمنطوق هذا الحديث: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، ومفهومه: (أن الماء إذا كان دون قلتين يحمل الخبث، ولو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن لتحديد القلتين فائدة.
واعترض عليه بأن مفهوم الحديث: «إن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث» إذا سقطت فيه
[ ٤٢ ]
النجاسة ولم تغيره، وبأن منطوق: «إن الْمَاء لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» بالرغم مما يلقى فيها من النتن ولم يغير أوصافه الثلاثة، وهذا سيشمل القليل والكثير، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق، قُدم المنطوق على المفهوم، والمعنى الصحيح للحديث: أنه إذا كان الماء قليلًا دون القلتين فإن أقل نجاسة تغيره ويحمل الخبث، وإذا كان أكثر من قلتين فإنه يكون له القدرة على مدافعة النجاسة، والأصل في الماء قليلًا كان أو كثيرًا أنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.
واستدلوا بأن الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فإنه ينجس وإن لم يتغير؛ لما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ».
ففي الحديث نهي عن الاغتسال في المال الدائم الذي بال فيه وقد يتغير وقد لا يتغير، فلما يشترط التغير، دل ذلك على أن الماء إذا كان قليلًا فإنه لا يشترط التغير.
واعترض عليه بأن النبي ﷺ نهى عن الاغتسال في الماء الدائم الذي بال فيه؛ لأنه ينجس بذلك، وكذلك لأنه قد يوسوس من اغتسل في الماء الذي يبول فيه.
وأما الظاهرية فأخذوا بظاهر النص بمنع البول في الماء الراكد، وجوزوا أن يبول في إناء ثم يُصب في الماء. قال النووي: وهذا مذهب عجيب وفي غاية الفساد.
واستدلوا بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ» (^١).
_________________
(١) زيادة (فليرقه) شاذة؛ فمدار الحديث على الأعمش، واختلف عليه:
(٢) فرواه علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ به. وخالف علي بن مسهر جماعة فرووه بدون زيادة: فليرقه، فرواه: إسماعيل بن زكريا عند مسلم (٢٧٩)، وأبو معاوية عند أحمد (٢/ ٢٥٣)، وعبد الرحمن بن حميد عند الطبراني «الصغير» (١/ ١٦٤) وغيرهم، كلهم رووه عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة به، بدون زيادة: فليرقه. ورواه (أبو أسامة عند ابن أبي شيبة (١٤/ ٢٠٤)، وجرير عند إسحاق بن راهويه (١/ ٢٨٣)، وأبان بن تغلب عند الطبراني «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٩) وغيرهم، كلهم رووه عن الأعمش، عن أبي رزين، عن أبي هريرة بدون زيادة: فليرقه، فهؤلاء (إسماعيل بن زكريا، وأبو معاوية، وشعبة، وأبو أسامة، وجرير، وحفص بن غياث وغيرهم من الثقات الأثبات - رووا الحديث عن الأعمش بدون زيادة: فليرقه، وخالفهم: علي بن مسهر فتفرد بزيادة: فليرقه، فهي شاذة، قال النسائي «السنن» (١/ ٥٣): لا أعلم أحدًا تابع على بن مسهر على قوله: فليرقه، قال ابن عبد البر «التمهيد» (١٨/ ٢٧٣): وأما هذا اللفظ من حديث الأعمش (فليهرقه) فلم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ، مثل شعبة وغيره. وقال الحافظ في ترجمة علي بن مسهر: ثقة له غرائب بعد أن أضر. قلت: لعل هذه من غرائبه. ومما يدل على شذوذ هذه الرواية رواية جماعة عن أبي هريرة من غير طريق الأعمش، بدون زيادة: فليرقه، منهم: محمد بن سيرين عند مسلم (٢٧٩) وغيره، والأعرج عند مسلم (٢٧٩)، وأحمد (٢/ ٢٤٥) وهمام بن منبه عند مسلم (٢٧٩)، وأحمد (٢/ ٣١٤) وغيرهما، وعبد الرحمن بن أبي عمرة عند أحمد (٢/ ٣٦٠) وغيره، وأبو سلمة عند عبد الرزاق (٣٣٥) وغيره، وأبو رافع عند النسائي «الصغرى» (٣٣٨) وغيره، وعطاء بن يسار عند الطبراني «الأوسط» (٣٧١٩)، وعبيد بن حنين عند أحمد (٢/ ٣٩٨)، وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد عند عبد الرزاق (٣٣٥)، وأحمد (٢/ ٢٧١) وغيرهما، والحسن عند الدارقطني (١/ ٦٤)، كل هؤلاء بدون زيادة: فليرقه، فهذه الزيادة بلا شك شاذة، والله أعلم.
[ ٤٣ ]
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء وإراقة الماء بمجرد ولوغ الكلب، ولم يرد أنه فرق بين الماء إذا تغير أو لم يتغير.
واعترض عليه بأن الماء الذي في الإناء وولغ فيه الكلب ينجس وهو يتغير حتمًا.
القول الثاني: ذهب مالك في رواية، وأحمد في رواية إلى أن الماء القليل والكثير لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه (^١).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، والماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو باقٍ على صفته، فيصح الوضوء به.
واستدلوا بعموم ما رُوِى عن النبي ﷺ، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ
_________________
(١) «المدونة» (١/ ١٣٢)، و«المغني» (١/ ٣١)، و«الأوسط» (١/ ٢٦٦).
[ ٤٤ ]
ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِي يُلْقَى فِيهَا مَا يُلْقَى مِنَ النَّتْنِ؟! فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، أي: إن الماء سواء كان كثيرًا أو قليلًا ولم يتغير أحد أوصافه الثلاثة فلا ينجسه شيء، وهو طهور. واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.
واستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ: ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (^١).
وجه الدلالة: ما قاله الباجي (^٢): وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَهَذَا مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَرْفَعُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ تَطْهِيرُهَا وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى مَا نَجُسَ مِنْهُ بِالْبَوْلِ، وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا تَطْهِيرُهُ لِلْمُصلِّانَ فِيهِ.