اختلف أهل العلم في طهارة مني الإنسان على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أن المني طاهر (^٣).
واستدلوا لذلك بأدلة منها الدليل الأول: ما روى مسلم عن عائشة ﵄ وفيه: (وَإِنِّي
_________________
(١) البخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠).
(٢) روى البخاري (٣١٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة أكله عند اليهود ووضع السم في الشاة، قال رسول الله ﷺ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» قَالُوا: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ.
(٣) «المجموع» (١/ ١٤٦)، و«مسائل أحمد رواية أبي داود» (١/ ٣٢)، وعند أحمد رواية أن المني نجس، وعنه: أنه يعفى عن يسيره، وقال ابن حزم «المحلى» (١/ ١٣٤): المني طاهر، في الماء كان أو في الجسد أو الثوب لا تجب إزالته، والبصاق مثله لا فرق. اه.
[ ٨٦ ]
لأَحُكُّهُ - أي: المَنِيَّ- مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي) (^١). فعائشة ﵄ كانت تفركْ المَنِيَّ من ثوب رسول الله ﷺ، ولو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النجاسات.
واعترض عليه بأن تطهير النجاسة لا يُشترط غسلها بالماء، فطهارة النجاسة في أسفل النعل بدلكه بالأرض، وطهارة ذيل المرأة إذا أصابه نجاسة يطهره ما بعده من التراب.
الدليل الثاني: روى ابن خزيمة عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحُكُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ وهُو يصلي (^٢)، فدل ذلك على طهارة المني إذ كان يصلي به النبي ﷺ، ولو كان نجسًا لوجب غسله قبل الصلاة.
الدليل الثالث: عن عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْلُتُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَيَحُتُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ. (^٣) فإذا كان النبي يسلت المني من ثوبه وهو رطب من غير غسل دل ذلك على طهارته.
وصح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، أَمِطْهُ عَنْكَ بِعُودٍ أَوْ إِذْخِرٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ أَوِ الْمُخَاطِ (^٤).
_________________
(١) مسلم (٢٥٠).
(٢) رجاله ثقات: أخرجه ابن خزيمة (٢٩٠)، قال: حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا إِسْحَاقُ - يَعْنِي الْأَزْرَقَ- نا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ به.
(٣) رواه أحمد، وإسحاق بن راهويه «مسنده» (١١٨٥)، وابن خزيمة (٢٩٤)، وفي إسناده عكرمة بن عمار، قال الحافظ: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب. قلت: وباقي رجاله ثقات، والراوي عن عكرمة عبد الله بن عبيد الله بن عمير.
(٤) إسناده صحيح: رواه الشافعي «الأم» (١/ ٥٦)، وابن المنذر «الأوسط» (٢/ ١٥٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن جريج، كلاهما يخبر عن عطاء، عن ابن عباس به. ورواه الطبراني «الكبير» (١١/ ١٤٨) من طريق شريك عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا، قال ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٩٠): وأما رفعه إلى النبي ﷺ فمنكر باطل لا أصل له. قال البيهقي (٢/ ٤١٨): هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد رُوي مرفوعًا ولا يصح رفعه.
[ ٨٧ ]
القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أن المني نجس ويجب تطهيره (^١).
واستدلوا لذلك بما رود في الصحيحين عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (^٢).
فغسل فرجه من المني فهذا دليل على نجاسة المني.
قال شيخ الإسلام: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (^٣).
واعترض عليه بأن الغسل لا يدل على النجاسة؛ لأنه قد يغسل ما يستقذر كالمخاط وغيره، وليس هو نجسًا بالإجماع.
الدليل الثاني: استدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ (^٤). فدل غسل المني على نجاسته، إذ الطاهر لا يحتاج إلى تطهير.
واعترض عليه بأن المخاط وكل ما يُستقذر قد يُغسل، وليس بنجس، فليس الغسل دليلًا على النجاسة، ووَرد أن عائشة ﵄ كانت تفرك المني إذا كان يابسًا ولا تغسله.
الدليل الثالث: عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أَسْقِي نَاقَةً لِي، فَتَنَخَّمْتُ فَأَصَابَتْ نُخَامَتِي ثَوْبِي، فَأَقْبَلْتُ أَغْسِلُ ثَوْبِي مِنَ الرِّكْوَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا عَمَّارُ، مَا نُخَامَتُكَ وَلَا دُمُوعُ عَيْنَيْكَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الَّذِي فِي رِكْوَتِكَ، إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ مِنَ الْمَاءِ الْأَعْظَمِ وَالدَّمِ وَالْقَيْءِ» (^٥).
_________________
(١) «الدر المختار» (١/ ٣١٢)، و«الاستذكار» (٣/ ١١٣).
(٢) البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٩٤).
(٤) البخاري (٢٢٩)، ومسلم (٢٨٨).
(٥) موضوع: أخرجه أبو يعلى (١٦١١)، وفي إسناده: ثابت بن حماد: متهم بالوضع، وعلي بن زيد ضعيف. قال البيهقي (١/ ١٤): هذا باطل لا أصل له، وكذا قاله ابن تيمية «الفتاوى» (٢١/ ٥٩٤).
[ ٨٨ ]
واعترض عليه بأن هذا الحديث باطل.
الدليل الرابع: عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَنَّ عُمَرَ عَرَّسَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ، فَاحْتَلَمَ عُمَرُ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ، فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً، فَرَكِبَ، حَتَّى جَاءَ الْمَاءَ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ الاِحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: قد أَصْبَحْتَ وَمَعَك ثِيَابٌ، فَدَعْ ثَوْبَكَ يُغْسَلُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًاه لَكَ يَا بْنَ الْعَاصِ، إنْ كُنْتَ تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ثِيَابًا؟ فوَالله لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَ سُنَّةً، أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ، وَأَنْضِحُ مَا لَمْ أَرَ (^١).
قال الباجي: وَقَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنَ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ) يُرِيدُ أَنَّهُ تَتَبَّعَ مَا كَانَ فِي ثَوْبِهِ مِنْ الْمَنِيِّ حَتَّى أَسْفَرَ الصُّبْحُ رَأَى أَنَّ تَطْهِيرَ ثَوْبِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ أَوْلَى مِنْ مُبَادَرَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِهِ وَتَتَبُّعَهُ لَهُ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِهِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ التَّأْخِيرَ وَأَمَرَهُ بِاسْتِبْدَالِ ثَوْبٍ - دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ الثَّوْبِ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا عِنْدَهُمْ لَمَا اشْتَغَلَ عُمَرُ بِغُسْلِهِ. وَلَوْ اشْتَغَلَ بِهِ لَقِيلَ لَهُ: تَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِإِزَالَةِ مَا لَمْ تَلْزَمْ إزَالَتُهُ (^٢).
واعترض عليه بأن إسناده منقطع، فيحيى بن عبد الرحمن لم يدرك عمر.
الدليل الخامس: واستدلوا بأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵄: «إذا وجدتِ المني رطبًا فاغسليه، وإذا وجدته يابسًا فحُكيه» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالك «الموطأ» (١/ ٥٠)، قال النووي «المجموع» (١/ ٢٢٦): يَحْيَى وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَلَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، بَلْ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: يَحْيَى ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عُمَرَ بَاطِلٌ. وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ ابْنِ مَعِينٍ.
(٢) «المنتقى» (١/ ١٠٣).
(٣) لم أقف عليه مسندًا، قال الحافظ: «الدراية في تخريج الهداية» (١/ ٩١): لم أجده بهذه السياقة.
[ ٨٩ ]
واعترض عليه بما قاله ابن الجوزي: هذا الحديث لا يُعرف، إنما المنقول أنها هي كانت تفعل ذلك من غير أن يكون أمرها (^١).
أما دليلهم من المعقول: فاستدلوا بقياس المني على المذي، قال الباجي: دليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة، فوجب أن يكون نجسًا كالمذي (^٢).
واعترض عليه بما قاله ابن القيم: المني والمذي هما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة، فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم يستحكم طبخه - دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة (^٣).
واستدلوا بأن المني خارج من مخرج البول، وكل ما خرج من مخرج البول نجس.
واعترض عليه بأنه قد يخرج من مخرج واحد ما هو طاهر وما هو نجس، فيخرج من الدبر الريح وهو طاهر، ويخرج الغائط وهو نجس، ويخرج من الفم المخاط وهو طاهر، ويخرج القيء وهو نجس على قول.
واستدلوا بأنه إذا كانت نواقض الوضوء نجسة كالبول والغائط، وإذا كان المني يوجب الغسل فنجاسته من باب أَوْلى.
واعترض عليه بأن هذه القاعدة ليست مطردة، فخروج الريح ناقض للوضوء بالإجماع، مع أن الريح طاهر بالإجماع لا يُغسل مكانه ولا ما أصاب من الثياب، وكذا مس الفرج ليس بنجس وهو ناقض للوضوء، وكذا أكل لحم الجزور طاهر وهو ناقض للوضوء، ولو مس بولًا أو غائطًا مع أنه نجس بالإجماع لا ينقض وضوءه بل يغسل ما مسه فقط، وكذا لو جامع ولم يُنزل فإن عليه الغسل بالرغم من أنه لم يُمنِ.
قال الشافعي: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إذَا غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي الْفَرْجِ الْحَلَالِ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ مَاءٌ فَأَوْجَبْت عَلَيْهِ الْغُسْلَ، وَلَيْسَتْ فِي الْفَرْجِ نَجَاسَةٌ، وَإِنْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي دَمِ خِنْزِيرٍ، أَوْ خَمْرٍ، أَوْ عَذِرَةٍ
_________________
(١) «التحقيق» (١/ ١٠٧).
(٢) «المنتقى» (١/ ١٠٣).
(٣) «بدائع الفوائد» (٣/ ٦٣٩).
[ ٩٠ ]
وَذَلِكَ كُلُّهُ نَجِسٌ. أَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا. قِيلَ: فَالْغُسْلُ إنْ كَانَ إنَّمَا يَجِبُ مِنْ نَجَاسَةٍ كَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ مِنْ الَّذِي غَيَّبَهُ فِي حَلَالٍ نَظِيفٍ، وَلَوْ كَانَ يَكُونُ لِقَذَرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَانَ الْخَلَاءُ وَالْبَوْلُ أَقْذَرَ مِنْهُ، ثُمَّ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلُ مَوْضِعِهِمَا الَّذِي خَرَجَا مِنْهُ، وَيَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَسْحُ بِالْحِجَارَةِ (^١).
والراجح: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من أن المني طاهر؛ لأن عائشة كانت تحك المني من ثوب رسول الله ﷺ، ولو كان نجسًا لما جاز له الصلاة فيه، وصح عن ابن عباس ﴿أنه قال: إنه بمنزلة المخاط. والمخاط طاهر، فدل ذلك على طهارة المني. ودل على ذلك أن المني مبتدأ خلق بني آدم والأنبياء والرسل، فهل يليق أن يكون أصل هؤلاء نجسًا؟ والله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
قال الشافعي: بَدَأَ الله ﷿ خَلْقَ آدَمَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَجَعَلَهُمَا مَعًا طَهَارَةً. وَبَدَأَ خَلْقَ وَلَدِهِ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، فَكَانَ فِي ابْتِدَائِهِ خَلْقَ آدَمَ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا الطَّهَارَةُ دَلَالَةَ أَنْ لَا يَبْدَأَ خَلْقُ غَيْرِهِ إلَّا مِنْ طَاهِرٍ لَا مِنْ نَجِسٍ.
وقال ابن القيم: والله تعالى أحكمُ من أن يجعل مَحَالَّ وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسة فهو أكرم من ذلك، وأيضًا فإن الله تعالى أخبر عن هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصُّلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين، ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعَذِرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره، ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السَّوِي، فالمهين ههنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث، وأيضًا فلو كان المني نجسًا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عباده والطيبات؛ ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب، فلقد أبعد النجعة مَنْ جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة. والناس إذا سَبُّوا الرجل قالوا: (أصله خبيث) و(هو خبيث الأصل) (^٢).
_________________
(١) «الأم» ١/ ٥٦).
(٢) «بدائع الفوائد» (٣/ ٦٤٠).
[ ٩١ ]