اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى نجاسة سباع البهائم والطير (^٣).
واستدلوا بحديثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا
_________________
(١) قال الجصاص «أحكام القرآن» (١/ ١٧٤): وَاللَّحْمُ وَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ فَإِنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَنْفَعَتِهِ وَمَا يُبْتَغَى مِنْهُ، كَمَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْمُرَادُ حَظْرُ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ فِي الصَّيْدِ، وَخَصَّ الْقَتْلَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الصَّيْدُ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَخَصَّ الْبَيْعَ بِالنَّهْيِ; لِأَنَّهُ كَانَ أَعْظَمَ مَا يَبْتَغُونَ مِنْ مَنَافِعِهِمْ، وَالْمَعْنِيُّ جَمِيعُ الْأُمُورِ الشَّاغِلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْبَيْعِ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الصَّلَاةِ، كَذَلِكَ خَصَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ بِالنَّهْيِ تَأْكِيدًا لِحُكْمِ تَحْرِيمِهِ وَحَظْرًا لِسَائِرِ أَجْزَائِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ وَإِنْ كَانَ النَّصُّ خَاصًّا فِي لَحْمِهِ.
(٢) «موسوعة الطهارة» (١٣/ ١١٦).
(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٦٤)، و«الإنصاف» (١/ ٣٤٢).
[ ٧٦ ]
يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ» (^١). ومعنى الحديث أن السباع إذا ولغت وشربت من الماء فإن كان قليلًا فإنها تنجسه، فهذا دليل على نجاسة السباع.
الدليل الثاني: ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (^٢).
وروى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْر (^٣).
فدل ذلك على أن السباع ذات الناب والطير ذات المخلب محرم أكلها لنجاستها.
القول الآخر: ذهب المالكية والشافعية إلى طهارة سباع البهائم والطير (^٤).
واستدلوا بأن السباع كالأسد والصقر يجوز بيعها والانتفاع بها؛ فهذا دليل على طهارتها، وكذا سباع الطير.
واعترض عليه بأنه ليس كل نجس لا يجوز الانتفاع به، فقد ورد في الحديث أن شحوم الميتة يُنتفع بها في طلي السفن وإن كانت نجسة بالإجماع، ويحرم أكلها.
الراجح: نجاسة السباع كالأسد والصقر وغيرهما، والله أعلم.