ذهب جمهور العلماء إلى أن النجاسة إذا خالطت مائعًا كفأرة وقعت في سمن فإنه يتنجس، ولا فرق بين القليل والكثير والمتغير وغير المتغير (^٢).
واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (١/ ٤٠٢)، والترمذي (١/ ٤٢٢)، وابن ماجه (٣٨٤) وغيرهم. قال ابن عدي: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرو بْنِ حُرَيْثٍ، عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأَبُو زيد مولى عَمْرو بن حريث مَجْهُولٌ، ولَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهو خِلافُ الْقُرْآنِ، وقال ابن حبان «المجروحين» (٣/ ١٥٨): أَبُو زيد يروي عَنْ ابن مَسْعُود مَا لم يُتَابع عَلَيْهِ، لَيْسَ يدْرِي من هُوَ لَا يُعرف أَبوهُ وَلَا بَلَده، وَالْإِنْسَان إِذا كَانَ بِهَذَا النَّعْت ثمَّ لم يرو إِلَّا خَبرًا وَاحِدًا خَالف فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَالنَّظَر والرأي - يسْتَحق مجانبته فِيهَا وَلَا يحْتَج بِهِ. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٤ - ٤٥): وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ فِي الوُضُوء بالنَّبيذِ، فَقَالا: هَذَا حديثٌ لَيْسَ بِقَويٍّ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غيرُ أبي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وحمَّادِ بنِ سَلَمة، عَنْ علي بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعليُّ بْنُ زَيْدٍ لَيْسَ بِقَويٍّ، وَأَبُو زَيْدٍ شيخٌ مَجْهُولٌ لا يُعْرَف، وعَلْقَمَةُ يَقُولُ: لَمْ يكنْ عبدُ الله مع النبي ﷺ ليلةَ الجِنِّ، فوَدِدتُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ. قلتُ لَهما: فإنَّ معاوية بْن سَلاَّم يحدِّث عَنْ أَخِيهِ، عَنْ جَدِّه، عَنِ ابْنِ غَيْلان، عَنِ ابْنِ مَسْعُود. قَالا: وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بشيء؛ ابنُ غَيْلان مجهول، ولا يَصِحُّ فِي هَذَا الباب شيء. قال أبو بكر بن أبي داود: كان أبو زيد هذا نباذًا في الكوفة. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وحديثه منكر، وورد حديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء». أخرجه الدارقطني (١/ ٧٥)، وابن عدي «الكامل» (٧/ ١٧٠)، قال الدارقطني: هو حديث منكر.
(٢) «المبسوط» (١٠/ ١٩٨)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ٥٩)، و«المجموع» (٢/ ٦٢٠)، و«الإنصاف» (١/ ٣٢١).
[ ٥٣ ]
فَمَاتَتْ، فَقَالَ: «إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، ثُمَّ كُلُوا مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» (^١).
_________________
(١) مدار هذا الحديث على الزهري، واختلف عليه: فرواه معمر بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به، وقد خالف معمر الثقات عن الزهري في متنه وسنده. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٢)، وأبو داود (٣٨٤٢) وغيرهما. فأما المخالفة في المتن: فزاد «وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ». وأما المخالفة في السند: فجعل الحديث من مسند أبي هريرة، بينما الثقات والأثبات رووه عن الزهري؛ فجعلوه من مسند ميمونة؛ منهم:
(٢) سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة مرفوعًا، بلفظ: إنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» بدون ذكر التفصيل: إن كان جامدًا … أخرجه الحميدي «المسند» (٣١٢)، ومن طريقه البخاري في «صحيحه» (٥٥٣٨). قال الحميدي: فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ سُفْيَانُ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُهُ إِلَّا عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنِ ابْنِ عباسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا. قلت: (رواه جماعة من الثقات الأثبات عن سفيان، منهم: الحميدي، وأحمد، وابن أبي شيبة، ومحمد بن يوسف، وأبو خيثمة وغيرهم كثير بهذا اللفظ، وخالفهم إسحاق بن راهويه، فزاد في متنه: «وإن كان ذائبًا فلا تقربوه»، وقد ذكر الذهبي «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٣٧٨) في ترجمة إسحاق: اسْتَغرَبُوا مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ رَاهْوَيْه عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ سِوَى حَدِيْثٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ حَدِيْثُهُ عَنْ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُوْنَةَ فِي الفَأْرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَزَادَ إِسْحَاقُ فِي المَتْنِ مِنْ دُوْنِ سَائِرِ أَصْحَابِ سُفْيَانَ هَذِهِ الكَلِمَةَ: وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا، فَلَا تَقْرَبُوْهُ. قال الذهبي: وَلَعَلَّ الخَطَأَ فِيْهِ مِنْ بَعْضِ المُتَأَخِّرِيْنَ، أَوْ مِنْ رَاوِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ.
(٣) الأوزاعي، عن الزهري به عند أحمد (٦/ ٣٣٠).
(٤) عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري به عند ابن أبي عاصم «الآحاد والمثاني» (٣١٠١).
(٥) مالك بن أنس، عن الزهري به. واختلف على مالك على وجوه: الأول: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة به كما في «الموطأ»، رواية يحيى (٢/ ٩٧١)، والبخاري (٢٣٦) وغيرهما. =
[ ٥٤ ]
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإراقة السمن الذي وقعت فيه الفأرة إذا كان مائعًا، ولم يفرق بين القليل والكثير.
واعترض عليه بأن هذا الحديث شاذ. والمحفوظ ما رواه البخاري، عن ابن عباس، عن ميمونة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا،
_________________
(١) = الثاني: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس به بدون ذكر ميمونة، كما في «الأوسط» (٢/ ٢٨٤)، والدارمي (٢٠٨٤) وغيرهما. الثالث: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ميمونة بدون ذكر ابن عباس. ذكرها ابن عبد البر «التمهيد» (٩/ ٣٣)، وقال الدارقطني: هي رواية شاذة. الرابع: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن مسعود مرفوعًا، رواه أبو نعيم «الحلية» (٣/ ٣٧٩). الخامس: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله مرسلًا، كما في «الموطأ برواية أبي مصعب (٢١٧٩)، ومع كل هذا الخلاف عن مالك فلم يذكروا ما ذكره معمر؛ فدل ذلك على أن رواية معمر شاذة سندًا ومتنًا. أما السند: فجعل الحديث من مسند أبي هريرة، والصحيح أنه من مسند ميمونة ﵄. أما المتن: «وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» فلا يذكره الثقات، قلت: ومما يدل على شذوذ هذه الرواية، أن معمرًا له رواية توافق رواية الجماعة في السند. (فرواية الطيالسي، وسلمة بن شبيب، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، وقد أعل رواية معمر غير واحد من أهل العلم: قال الترمذي: مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ»، هَذَا خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ مَعْمَرٌ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ، كما في «سنن الترمذي» (١٧٩٨)، وقال أبو حاتم عن رواية معمر: وَهم. كما في «العلل» (٢/ ١٢)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٩٠)، و«تهذيب السنن» (٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧).
[ ٥٥ ]
فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ».
فدل ذلك على أنه إذا سقطت فأرة في سمن سواء كان جامدًا أو مائعًا؛ فإنه يلقى ما حولها ثم يؤكل؛ فدل على طهارة ما تبقى. وهذا هو الراجح، والله أعلم.
===
[ ٥٦ ]
حاصل ما ورد فيما سبق
(١) تطلق الطهارة في اللغة على النظافة نقيض النجاسة:
والطهارة في الشرع: هي رفع الحدث وإزالة النجس أو الخبث.
فرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء، ومنه قوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» والاحتلام حدث أكبر يكون رفعه بالاغتسال وكذا الحيض. ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي فإذا اغتسلن بعد انقطاع دم الحيض حل لكم وطاؤهن.
ومعنى «إزالة النجاسة» أي إزالة النجس عن البدن والثوب والمكان والإناء.
وقد جمع الله في آية بين رفع الحدث وإزالة النجس؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي من النجاسة التي هي انقطاع دم الحيض، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن من الحدث الأكبر بعد الطهارة حل لكم وطأهن وهذا هو رفع الحدث.
(٢) ينقسم الماء من حيث حكمه إلى قسمين:
طهور ونجس، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فكلمة «ماء» نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء، سواء كان مطلقًا أو مقيدًا مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه على أنه طهور.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وقال النبي ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فقد ورد النص بالماء الطهور، والإجماع ورد بالماء النجس، ولم ترد أدلة علي أن هناك قسمًا ثالثًا.
[ ٥٧ ]
(٣) وينقسم الماء من حيث طبيعته إلى أقسام:
القسم الأول: الماء المطلق [وهو يأتي من مصادر كثيرة]:
١ - ماء المطر: لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان].
٢ - ماء العيون: لعموم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] والينابيع هي عيون الماء.
٣ - ماء الآبار: جمع بئر وهو ما يحفره الناس للحصول على الماء، كبئر بضاعة ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».
٤ - ماء الأنهار: لعموم قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾، والماء الناتج من الثلج والبرد، ففي البلاد الباردة ينزل الثلج، ثم يتحول إلى ماء فيجوز التطهر به.
٥ - ماء البحار: وهو الماء المتبحر المتسع، وأجمع العلماء على أن ماء البحار طهور؛ لقول النبي ﷺ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
٦ - ماء زمزم: طهور ويُرفع به الحدث ويُزال به الخبث لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو﴾ وهذا ماء طهور، ولا يجوز التيمم مع وجوده.
القسم الثاني: الماء المستعمل:
وهو الماء المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل فهذا ماء مستعمل وكذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث، أو وقوع بعض الماء المستعمل في الإناء الذي يتوضأ أو يغتسل منه، فهذه صور للماء المستعمل، وهو طهور لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو﴾ كلمة «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، والله ﷾ أوجب التيمم على من لم يجد الماء، وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ».
ولا شك أن الإناء لا يسلم من رشاش يقع من أحدهما، وهذا يدل على أن الماء المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ طهور، والماء المتردد علي العضو طهور بالإجماع، مع أنه يمر
[ ٥٨ ]
على أول اليد، ثم على آخرها، ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو.
(٤) اتفق العلماء على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل، وذهب جمهور العلماء إلى جواز وضوء الرجل بفضل المرأة لما روى مسلم أن النبي ﷺ: «كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ». واعترض عليه بأن اللفظ المحفوظ عن ميمونة قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا ورسول الله ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ» ولكن الأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا ظهر فيه النجاسات، والماء المتبقي من فضل المرأة طهور، والأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة. قاله أحمد.
القسم الثالث: الماء المتغير بطول مكثه:
ما تغير بمكثه ومقره، فهو باقٍ على طهوريته بالاتفاق.
القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه:
نجس، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، بالإجماع.
القسم الخامس: إذا تيقن طهارة الماء وشك هل وقعت فيه نجاسة فإنه يبني على اليقين ويطرح الشك وإذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، فإنه يتحرى ويصلي في أحد الثياب وتجزئه صلاته.
القسم السادس: حكم الماء الحرام، وفيه مبحثان.
المبحث الاول: الوضوء بالماء المغصوب أو المحرم تصح الطهارة به مع الإثم.
المبحث الثاني: لا يجوز الوضوء بماء بئر ثمود؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يريقوا ما استقوا من بئرها لأنه ماء سخط وغضب والماء طهور لأنه باق على خلقته.
القسم السابع: لا يجوز الوضوء بالمائعات غير الماء، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء ولم ينقلنا إلى سائل آخر.
* * *
[ ٥٩ ]