القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة بدن المشرك، وبه قال الحنفية، والصحيح من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٣).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
_________________
(١) «الفتاوى الكبرى» (١/ ٢٢٦).
(٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٧٠)، و«تبيين الحقائق» (١/ ٨٨).
(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٦٤)، و«منح الجليل» (١/ ٤٧)، و«المجموع» (١/ ٣٢٠)، و«كشاف القناع» (١/ ٩٣).
[ ٨٤ ]
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. فإن كان طعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى حلًّا لنا، لزم من ذلك طهارة أبدانهم وأيديهم التي يباشرون بها هذا الطعام، وإذا كان يجوز للمسلم الزواج بالعفيفة من أهل الكتاب، وبالطبع يباشر جسدها، ويصاب من عرقها، عُلم من ذلك طهارة أبدانهن.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (^١).
فلو كان المشرك نجس البدن لما ربط رسول الله ﷺ ثمامة وهو لا يزال مشركًا بسارية في المسجد؛ فدل ذلك على طهارة بدن المشرك (^٢).
وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وفي البخاري أن النبي ﷺ: «أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» (^٣).
القول الثاني: أن بدن المشرك نجس، وهو قول عند المالكية، وابن حزم (^٤).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فدل ذلك على نجاسة بدن المشرك، ونهى لذلك عن دخولهم المسجد الحرام، والأصل أن تُحمل الألفاظ على حقيقتها الشرعية.
واعترض عليه بأنه إذا أبيح الأكل من طعام أهل الكتاب مع أنهم يباشرون ذلك بأيديهم، فعُلم أن بدن المشرك طاهر، وأن المراد بالنجاسة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ نجاسة معنوية، والقرينة التي دلت على ذلك أن الحكم معلق على وصف، وهو الشرك.
_________________
(١) البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).
(٢) قال السرخسي «المبسوط» (١/ ٤٧): إن النَّبِيَّ ﷺ أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا مُشْرِكِينَ، وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا أَنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ.
(٣) البخاري (٣٥٧١)، ومسلم (٦٨٢).
(٤) «القوانين الفقهية»، و«المحلى» (١/ ١٣٧).
[ ٨٥ ]
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قال: «فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» (^١). قالوا: إن النبي ﷺ لم يأذن في استعمال آنية أهل الكتاب إلا بعد غسلها؛ فدل ذلك على نجاستها.
واعترض عليه بأنه لا بد من الجمع بين الأدلة، فقد أباح الله لنا الأكل من طعام أهل الكتاب، وقد أكل ﷺ من طعام اليهود (^٢)، ونهى النبي ﷺ عن الأكل من آنية أهل الكتاب نهي احتااط واستحباب، وحَمَله بعض العلماء على أن أهل الكتاب إذا كانوا يُكثرون من أكل الخنزير وشرب الخمور فيُحمل عليه هذا الحديث ليس لنجاسة بدن المشرك، ولكن لنجاسة الخنزير.
الراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من طهارة بدن المشرك، والمراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ النجاسة المعنوية، أي: نجاسة الشرك، وإنه لو نطق بالشهادتين صار طاهرًا بإيمانه طهارة معنوية؛ لأن المؤمن لا ينجس.