اختلف أهل العلم في أنفحة الميتة إذا أُخذت من حيوان رضيع على قولين:
القول الأول: ذهب أبو حنيفة، ورواية عن أحمد إلى طهارة إنفحة الميتة (^٣).
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:
_________________
(١) صحيح موقوفًا له حكم الرفع: مدار الحديث على زيد بن أسلم، واختلف عليه في الوقف والرفع: فرواه عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه به، كما عند الشافعي «مسنده» (٢/ ١٧٣)، وأحمد (٢/ ٩٧)، وابن ماجه (٣٢١٨) وغيرهم، وأخرجه ابن عدي «الكامل» (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٩/ ٢٧٥) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الرحمن، وعبد الله، وأسامة أبناء زيد بن أسلم، عن أبيه به، وأولاد زيد كلهم ضعفاء، وخالفهم سليمان بن بلال، فرواه عن زيد ابن أسلم، عن ابن عمر موقوفًا عند البيهقي (١/ ٢٥٤)، قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. وصحح الموقوف الدارقطني «العلل» (١/ ٢٦٦)، وأبو زرعة وأبو حاتم، وإن كان الصحيح في الحديث الوقف فإن له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي: «أحل لنا» فيحصل الاستدلال بهذه الرواية؛ لأنها في معنى المرفوع، والله أعلم.
(٢) «أحكام القرآن» (١/ ١٧٤).
(٣) «البحر الرائق» (١/ ١١٢)، و«الإنصاف» (١/ ٩٢)، و«الفتاوى» (٢١/ ١٠٢).
[ ١٠١ ]
أما دليلهم من السنة، فعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ السَّمْنِ، وَالْجُبْنِ، وَالْفِرَاءِ قَالَ: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ الله فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» (^١).
وجه الدلالة: (وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) يدل على أن إنفحة الميتة طاهرة لأنه فيها تحريم. واعترض عليه بأن الحديث لا يصح.
وأما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: ذَكَرْنَا الْجُبْنَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِح الْمَيْتَةِ. فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ وَكُلُوهُ (^٢).
وعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّ طَلْحَةَ كَانَ يَضَعُ السِّكِّينَ، وَيَذْكُرُ اسْمَ اللهِ، وَيَقْطَعُ وَيَأْكُلُ (^٣).
القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الإنفحة، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (^٤).
_________________
(١) ضعيف: رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧) من طريق سيف عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا، والحديث فيه علتان: الأولى: في إسناده سيف بن هارون: ضعيف. الثانية: وخالفه سفيان بن عيينة: فرواه عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفًا، ذكره الترمذي (١/ ١٩٢)، وقال: وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أُراه محفوظًا، روى سفيان عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفًا، وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث «العلل» (٢/ ١٠)، فقال: رواه الثقات، عن التيمي، عن أبي عثمان، عن النبي ﷺ مرسل، ليس فيه سلمان، وهو الصحيح.
(٢) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٠٠)، عن أبي معاوية عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو به.
(٣) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٠٠)، عن الفضيل بن دُكين، عن عمرو بن عثمان، عن موسى به. وورد عن الحسن بن علي أنه سئل عن الجبن، فقال: لا بأس به، ضع السكين، واذكر اسم الله عليه وكل. أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٠٠)، وهو ضعيف. في إسناده: جحش مجهول.
(٤) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٢٠)، و«روضة الطالبين» (١/ ١٦)، و«المبدع» (١/ ٧٤).
[ ١٠٢ ]
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
وكذا استدلوا بما روى ثَوْرُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ لَا تَأْكُلُوا مِنَ الْجُبْنِ إِلاَّ مَا صَنَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ (^١).
واعترض عليه بأنه ضعيف، وقد ثبت عن عمر خلافه.
والراجح: ما قاله شيخ الإسلام: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُمْ حَلَالٌ وَأَنَّ إنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ الْمَجُوسِ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا فَإِنَّ الْمَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ (^٢).
* * *
_________________
(١) ضعيف: أخرجه البيهقي «الكبرى» (١٠/ ٦)، وفي إسناده إبراهيم العقيلي: مجهول. وروى البيهقي بسند حسن، قال ابن مَسْعُودٍ ﵁: كُلُوا الْجُبْنَ مَا صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ. واعترض عليه بأنه ليس بصريح في المسألة.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٣).
[ ١٠٣ ]