اختلف أهل العلم في حكم بول وروث الحيوان مأكول اللحم على قولين:
القول الأول: ذهب المالكية والمشهور عند الحنابلة إلى طهارة بول وروث الحيوان المأكول (^٢).
قال شيخ الإسلام: وَبَوْلُ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ، لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى تَنَجُّسِهِ، بَلْ الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهِ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَا سَلَفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ (^٣).
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (^٤). فلو كانت أبوال الإبل نجسة لما أمرهم النبي ﷺ أن يشربوا من أبوالها، فدل ذلك على طهارة أبوال الإبل.
وروى مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ، قَالَ: أُصلي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فإذا كان من شروط الصلاة طهارة البقعة التي يصلي فيها، وقد أذن له النبي ﷺ في الصلاة في مرابض الغنم مع أنها لا تخلو من البول والروث، فدل ذلك على طهارة بول وورث الغنم.
وفي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿، قَالَ: (طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ (^٥). فإدخال البعير المسجد، والطواف عليه، وقد يبول البعير أثناء الطواف، فلو كان بوله وروثه نجسًا لما أدخله المسجد.
_________________
(١) «الإنصاف» (١/ ٣٢٧).
(٢) «مواهب الجليل» (١/ ٩٤)، و«مسائل أحمد رواية عبد الله» (١/ ٣١)، و«المبدع» (١/ ٣٣٨).
(٣) «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣١٣).
(٤) البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).
(٥) البخاري (١٦٠٨)، ومسلم (١٢٧٢).
[ ٩٥ ]
واستدلوا بأن الحَمَام يسكن في المسجد الحرام من غير نكير مع أنه يبول، فهذا دليل على طهارته، إذ لو كان بوله نجسًا لأُخرج من المسجد خاصة، فقد أمر الله بتطهير المسجد الحرام بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
واستدلوا بما قاله ابن تيمية: فَإِنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُزْرَعُ، وَنَتَيَقَّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ ذَلِكَ الْحَبَّ وَيُقَرُّونَ عَلَى أَكْلِهِ، وَنَتَيَقَّنُ أَنَّ الْحُبَّ لَا يُدَاسُ إلَّا بِالدَّوَابِّ، وَنَتَيَقَّنُ أَنْ لَا بُدَّ أَنْ تَبُولَ عَلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي يَبْقَى أَيَّامًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُقَدِّمَاتٌ يَقِينِيَّةٌ (^١).
القول الثاني: أن بول وروث الحيوان المأكول نجس، وهو مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة (^٢).
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ …»، فكلمة: «البول» تدل على نجاسة جميع الأبوال، فهنا «أل» تدل على الاستغراق، أي: عامة الأبوال.
واعترض: بأن المراد بالبول بول الآدمي، دل عليه السياق، و«أل» للعهد الذهني.
واستدلوا بما روى البخاري عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» (^٣)، أي: نجس.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٨٤).
(٢) «المجموع» (٢/ ٥٤٧)، و«المستوعب» (١/ ٣١٥).
(٣) مدار هذا الحديث على أبي إسحاق فرواه عنه زهير، كما عند البخاري (١٥٦) قال: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: - لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ - وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله به، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قلت: فتابع زهير يوسف عند البخاري معلقًا.=
[ ٩٦ ]
واعترض عليه: بأن الروثة قد تكون روثة حمار أو غير مأكول اللحم، وهي نجسة، حتى لو كانت روثة البهائم أو مأكول اللحم؛ فإنه لا يستنجى بها؛ لأنها طعام إخواننا من الجن.
والراجح: طهارة بول وروث الحيوان المأكول، والله أعلم.
_________________
(١) = ورواه أحمد (٤٢٩٩) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ به. ورواه الترمذي (١٧) قال: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ به وقال، وَهَكَذَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ. وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَعَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَرَوَى زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَرَوَى زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، هَلْ تَذْكُرُ مِنْ عَبْدِ اللهِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا. سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَصَحُّ؟ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا، فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكَأَنَّهُ رَأَى حَدِيثَ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله، أَشْبَهَ، وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ. وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا عِنْدِي حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ، وَقَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، لأَنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ. وسَمِعْت أَبَا مُوسَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، إِلاَّ لِمَا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهِ أَتَمَّ. وَزُهَيْرٌ فِي أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ بِذَاكَ لأَنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ بِأخِرَةٍ. وَسَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتَ الْحَدِيثَ عَنْ زَائِدَةَ، وَزُهَيْرٍ، فَلَا تُبَالِي أَنْ لَا تَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا إِلاَّ حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ. وَأَبُو إِسْحَاقَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ. وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ.
[ ٩٧ ]