اتفق العلماء على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل، واختلفوا في جواز وضوء الرجل بفضل المرأة إذا خلت بالماء - على أربعة أقوال:
القول الأول: يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^٥).
_________________
(١) «مراتب الإجماع» (١/ ١٨).
(٢) وقال الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٦): الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معًا من إناء واحد أن ذلك لا ينجس الماء. وقد نقل الإجماع القرطبي كما في المفهم (١/ ٥٨٣)، وشيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥١).
(٣) في الصحيحين، واللفظ لمسلم (٣٢١).
(٤) «شرح مسلم» (٤/ ٢)، «المجموع» (٢/ ٢٢١، ٢٢٢). وقد نقل الإجماع ابن عبد البر كما في «التمهيد»، (٢/ ٢١٨) وغيره وقد ورد حديث ظاهره يعارض هذا الإجماع، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وفيه: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ وهذا الحديث ظاهره الصحة إلا أن الإمام أحمد يضعف الأحاديث الواردة في هذا الباب، والله أعلم.
(٥) «شرح معاني الآثار (١/ ٢٦)، و«الاستذكار» (١/ ٣٧٢)، و«الأم» (١/ ٢١)، و«المغني» (١/ ١٣٦).
[ ٣٥ ]
واستدلوا بما روى مسلم، عن عمرو بن دينار: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ (^١).
واعترض عليه بأن اللفظ المحفوظ عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ).
وعن ابن عباس: أنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ النَّبِىِّ ﷺ اسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَةٍ، فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِهَا فَقَالَتْ: إِنِّى اغْتَسَلْتُ مِنْهُ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (^٢).
فالأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا ظهر فيه النجاسات، والماء المتبقي من فضل المرأة
_________________
(١) مدار الحديث على عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، واختلف على عمرو: فرواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء عن ابن عباس به. أخرجه أحمد (١/ ٣٦٦)، ومسلم (٣٢٣) وغيرهما. ورواه سفيان، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ). أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٩)، ومسلم (٣٢٢)، والترمذي (٦٢) وغيرهم. وأخرجه البخاري (٢٥٠)، فجعله من مسند ابن عباس. وقد أعل الحافظ رواية مسلم، فقال «فتح الباري» (١/ ٣٥٩): أَعَلَّهُ قَوْمٌ لِتَرَدُّدٍ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؛ حَيْثُ قَالَ: عِلْمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي … فَذَكَرَ الحَدِيث، وَقد ورد من طَرِيق أُخْرَى بِلَا تَرَدُّدٍ لَكِنَّ رَاوِيَهَا غَيْرُ ضَابِطٍ، وَقَدْ خُولِفَ. وَالْمَحْفُوظُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
(٢) ضعيف: أخرجه أحمد (١/ ٢٨٤) وغيره. ومدار الحديث على سماك، عن عكرمة، واختلف على الرفع والإرسال. وعلى كل فرواية سماك عن عكرمة مضطربة، قاله علي بن المديني. قال النسائي: سماك كان ربما لُقِّن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن. وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: قال شريك: كانوا يلقنون سماكًا أحاديثه عن عكرمة، يلقنونه عن ابن عباس، فيقول عن ابن عباس، كذا في «مسائل أبي داود» (٢٠١٦). وقد اختلف في السند على الرفع والإرسال. واختلف في متنه فرُوي بلفظ: «إِنَّ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». وبلفظ: «إِنَّ الْمَاءُ لَا يُنَجَّسُ». وبلفظ: «إِنَّ الْمَاءُ ليسَ عليهِ جَنابة»، وبلفظ: «إنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ». وعلى كل فالحديث ضعيف، والله أعلم.
[ ٣٦ ]
طهور.
القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، ويجوز إزالة النجاسة للرجل ورفع حدث المرأة والصبي (^١).
واستدل بحديث الحكم بن عمرو الغِفَاري، أن رسول الله ﷺ نَهَى أَنْ يُتَوَضَّأَ الرَّجلُ مِنْ فَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ (^٢).
_________________
(١) «الإنصاف» (١/ ٤٨)، و«الفروع» (١/ ٨٣).
(٢) أعل بالوقف: مدار الحديث على أبي حاجب، وهو سوادة بن عاصم، واختلف عليه: أ - فرواه عاصم الأحول، واختلف عليه: فرواه شعيب عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم به، كما أخرجه أحمد (٥/ ٦٦)، ورواه محمد بن بشار، وعمرو بن علي وغيرهما، عن أبي داود الطيالسي، عن عاصم به، أخرجه أبو داود (٨٢)، والنسائي (٣٤٣)، وابن ماجه (٣٧٣) وغيرهم. وأخرجه الترمذي (٦٤) قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود به. إلا أنه شك؛ فقال: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا. ورواه يونس بن حبيب عند أبي داود الطيالسي عن عاصم به، قال: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ. فأبهم الصحابي كما عند الطيالسي (١٢٥٢)، وتابع أبو داود الربيع بن يحيى، كما عند الطبراني (٣١٥٦)، وعبد الصمد كما عند أحمد (٤/ ٢١٣) بلفظ:: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِفَضْلِهَا، لَا يَدْرِي بِفَضْلِ وَضُوئِهَا، أَوْ فَضْلِ سُؤْرِهَا. ووهب ابن جرير عن أحمد (٤/ ٢١٣) بلفظ: نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ مِنْ سُؤْرِ الْمَرْأَةِ. وأخرجه الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٤) عن عبد الوهاب بن عطاء عن شعبة، ولفظه: بفضل المرأة أو بسؤر المرأة، لا يدري أبو حاجب أيهما قال. (عن فضل المرأة). وقد تابع شعبة سليمان التيمي عند أحمد (٥/ ٦٦)، وقيس بن الربيع عند الطبراني «الكبير» (٣١٥٥) وفيه (عن سؤر المرأة). ب - ورواه عمران بن حدير، عن أبي حاجب عن الحكم موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٣)، وقد قال الترمذي «العلل الكبير» (ص: ٤٠): سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وقال أحمد: يضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، وبعضهم يقول: عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: فضل وضوء المرأة، فلا يتفقون عليه. انظر التنقيح (١/ ٢١٥).
[ ٣٧ ]
وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفُوا جَمِيعًا.
هذا الحديث إسناده صحيح ولكن فى متنه النهي: (وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ)، وقد أجمع العلماء على جواز تطهير المرأة بفضل الرجل؛ ولذا ضَعَّفَ أحمد أحاديث الباب.
وعن عبد الله بن سرجس، قال: (نَهَى رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ) (^١). واعترض عليه بأنه ضعيف.
القول الثالث: يُكره الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن (^٢)، وهو قول عند الشافعية (^٣).
واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ نهى عن الوضوء بفضل المرأة، وتوضأ بفضل ميمونة، وفِعل النبي ﷺ لا يعارض قوله. فإن أَمَرَ بشيء وَتَرَكَهُ دل ذلك على أن الأمر على الاستحباب، وإذا نهى عن شيء وفَعَلَهُ دل ذلك على أن النهي على الكراهة، إلا إذا جاء دليل يدل على الخصوصية؛ كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولما قيل له: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي».
القول الرابع: ذهب ابن عمر إلى أنه لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو
_________________
(١) ضعيف، والصحيح فيه الوقف: مدار الحديث على عاصم الأحول واختلف فيه على الوقف والرفع؛ فرواه عبد العزيز بن المختار، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس مرفوعًا، كما عند الطحاوي «شرح المعاني» (١/ ٢٤)، والدارقطني (١/ ١١٦). ورواه شعبة عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس موقوفًا عليه، كما أخرجه الدارقطني (١/ ١١٧)، وقال: هذا موقوف صحيح، وهو أَوْلى بالصواب. قال البخارى: وحَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَوْقُوفٌ وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأٌ. كما في علل الترمذي الكبير (ص: ٤٠) و«سنن البيهقي» (١/ ١٩٢).
(٢) روى ابن أبي شيبة (٣٥٧) عن عبدة بن سليمان عن شعبة، عن قتادة، عن ابن المسيب والحسن كانا يكرهان فضل طهورها. أي: المرأة. وإسناده صحيح.
(٣) «المجموع» (٢/ ٢٢١)، و«الأوسط» (١/ ٢٩٢).
[ ٣٨ ]
حائضًا (^١).
واعترض على هذا القول من وجهين:
الأول: أنه لم يرد في القرآن والسنة اشتراط أن تكون المرأة حائضًا أو جنبًا.
الثاني: عموم قول النبي ﷺ لعائشة: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ»، ومعناه أن الأذى في مكان الحيضة، وليس في مواضع الوضوء، فلا دليل على اشتراط الحيض.
والراجح: أنه يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة؛ ذلك لأن الأصل في الماء أنه طهور إلا ما ظهر فيه النجاسات، وفضل المرأة ليس كذلك، وأما الأحاديث الواردة في الباب أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وأنه ﷺ توضأ بفضل ميمونة؛ فقد قال الإمام أحمد: إنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ (^٢).
قال ابن عبد البر: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَتَتَوَضَّأَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِهِ انْفَرَدَتْ بِالْإِنَاءِ أَوْ لَمْ تَنْفَرِدْ، وَفِي مِثْلِ هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صِحَاحٌ. وَالَّذِي يُذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْهَا، فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ، وَالله الْمُسْتَعَانُ (^٣).