قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا على أَنْ الْكثير من الدَّم أَي دم كَانَ حاشا دم السّمك وَمَا لَا يسيل دَمه -نجس (^٦).
_________________
(١) «المغني» (١/ ٤١٣).
(٢) «المجموع» (٢/ ٥٧١). قلت: وهذا الإجماع منخرم؛ فقد وردت رواية عن أحمد بطهارة الودي، كما في «المبدع» (١/ ٢٤٩)، و«الإنصاف» (١/ ٣٤١)، وروى ابن أبي شيبة (١/ ٨٩) بسند صحيح عن ابن عباس قال: الْمَنِيُّ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ، فَأَمَّا الْمَنِيُّ فَفِيهِ الْغُسْلُ، وَأَمَّا الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ فَفِيهِمَا الْوُضُوءُ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ.
(٣) «نيل الأوطار» (١/ ٥٨).
(٤) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).
(٥) البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).
(٦) «مراتب الإجماع» (ص: ١٩).
[ ٦٨ ]
وقال النووي: وَالدَّلَائِلُ عَلَى نَجَاسَةِ الدَّمِ مُتَظَاهِرَةٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ طَاهِرٌ. وَلَكِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ (^١).
قال ابن حجر: الدم نجس اتفاقًا (^٢).
قال القرطبي: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّمَ حَرَامٌ نَجِسٌ (^٣).
ومع أن الأئمة يرون نجاسة الدم إلا أنهم يرون العفو عن يسير الدم، أما الدم المسفوح فنجس.
قال ابن عبد البر: وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ رِجْسٌ نَجِسٌ، إِلَّا أَنَّ الْمَسْفُوحَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْجَارِي فِي اللُّغَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ الْكَثِيرُ، إِذِ الْقَلِيلُ لَا يَكُونُ جَارِيًا مَسْفُوحًا، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنَ الدَّمِ الْجَارِي نُقْطَةٌ فِي ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَسْفُوحِ الْكَثِيرِ وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقَلِيلِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى أَصْلِهَا فِي اللُّغَةِ (^٤).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وجه الدلالة: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، أي: نجس.
واعترض عليه بأن معنى: ﴿رِجْسٌ﴾، حرام.
وأجيب عنه: بأن أول الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا﴾ يدل على التحريم؛ فإن معنى رجس مغاير للتحريم، ويكون معنى رجس: نجسًا؛ ليدل على معنى جديد.
قالوا: إذا كان معنى: ﴿رِجْسٌ﴾، أي: نجس، ولكن نجاسة معنوية.
_________________
(١) «المجموع» (٢/ ٥١١).
(٢) «فتح الباري» (١/ ٣٥٢).
(٣) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٢٢)
(٤) «التمهيد» (٢٢/ ٢٣٠).
[ ٦٩ ]
وأجيب عنه: كيف نقول: إن نجاسة الميتة والدم المسفوح نجاسة معنوية، وهي نجاسة حسية ظاهرة؟!
واستدلوا بأن دم الحيض نجس بالدلائل المتظاهرة، فيقاس عليه سائر الدماء.
وذهب بعض المتكلمين والشوكاني إلى أن دم الإنسان طاهر (^١).
واستدلوا بأن الصحابة كانوا يجاهدون ويصلون في جراحاتهم (^٢). ويُدفن الشهيد بدمه، ولو كان نجسًا لغسل منه الدم.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة ﵄ قالت: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلاَّ الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟! فَإِذَا
_________________
(١) «المجموع» (٢/ ٥٧٦)، و«الدراري المضية» (١/ ٢٦).
(٢) واستدلوا بما روى أحمد (٣/ ٣٥٣)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأُصِيبَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا، وَجَاءَ زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ حَتَّى يُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْزِلًا، فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ «فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ»، قَالَ: وَكَانُوا نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ؟ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ. فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصلِّى، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِثَالِثٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أُوتِيتَ! فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ فَهَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، أَلَا أَهْبَبْتَنِي؟! قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأُرِيتُكَ، وَايْمُ اللهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا. ولكن في إسناده عقيل بن جابر: مجهول.
[ ٧٠ ]
سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ فِيهَا (^١).
فعُلم أن الدم ليس بنجس؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ» (^٢). فلو كان الدم نجسًا لورد غسل المسجد.
واستدلوا بجواز دخول المستحاضة المسجد، مع أن دمها ينزف، كما ورد في البخاري عن عائشة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ»، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ (^٣). فدل ذلك على طهارة الدم.
واعترض عليه بأن وضع الطست تحتها دليل على اجتناب النجاسة.
وأما حديث سعد فلم يرد نص صريح أنه غسل أو لم يغسل، فليس بصريح.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من نجاسة الدم المسفوح، وأن اليسير معفو عنه.