اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال.
القول الأول: أنه إذا غمس القائم من النوم يده في الإناء، فإن الماء ينجس. وبه قال أحمد فى روااة، والطبري (^٢).
واستدلوا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». فنهى النبى ﷺ عن غمس اليد
_________________
(١) «الأوسط» (١/ ٢٨٨).
(٢) «الإنصاف» (١/ ٣٨)، و«شرح النووي لصحيح مسلم» (٣/ ٢٣١)
[ ٣٢ ]
لاحتمال أن تكون اليد نجسة.
واعترض عليه:
بأن اليد طاهرة، وقوله ﷺ: «فَلَا يَغْمِسْ» تُحمل على الاستحباب والصارف: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، والشك لا يقضي على اليقين.
وكون النبي ﷺ أرشد إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء - قرينة على أن الغسل ليس بواجب؛ لأن الواجب مرة.
قال ابن القيم: القول بنجاسته من أشذ الشاذ (^١).
_________________
(١) «تهذيب السنن» (١/ ٦٩). وذهب أحمد في رواية والظاهرية إلى أن غسل اليد واجب، واستدلوا بعموم قوله في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»، والأصل في النهي التحريم. واعترض عليه من وجوه: الأول: بأن هناك صارفًا للوجوب وهو عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ …﴾ [المائدة: ٦]، ذكرت فرائض الوضوء ولم يذكر فيها غسل اليد، وروى مسلم من حديث عثمان: «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ». الثاني: ما قاله ابن دقيق: الأمر وإن كان ظاهره الوجوب إلا أنه يُصرف عن الظاهر لقرينة، وقد دل الدليل وقامت القرينة، فإنه علل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، إذا كان الأصل المستحب على خلافه موجودًا، والأصل الطهارة في اليد فلتستصحب. الثالث: لَمَّا أرشد النبي ﷺ إلى غسل اليد ثلاثًا، عُلم أنه ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لكفى غسلة واحدة. الرابع: صح أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ». وإذا كان الاستنثار بعد القيام من النوم سنة بالإجماع، فكذا غسل اليدين بعد القيام من النوم.
[ ٣٣ ]
القول الثاني: ذهب أحمد في رواية (^١) إلى أن هذا الماء طاهر غير مطهر.
واستدل لذلك بأن النبي ﷺ نهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، ولولا أن غمسها يؤثر في الماء لم ينه عنه، فإذا نهى عنه دل ذلك على تحول الماء إلى طاهر غير مطهر.
واعترض عليه بأن الحديث لم يتعرض لحكم الماء، وإنما فيه نهي عن غمس اليد في الماء بعد القيام من النوم، والأصل في الماء أنه طهور.
القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم طهور، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).
قال ابن عبد البر: مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ كَانَ جُنُبًا أَوِ امْرَأَةً حَائِضًا، فَأَدْخَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ يَضُرُّهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ في يده نَجَاسَةٌ، كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَلَا يُدْخِلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا كُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ وَيَأْمُرُونَ بِهِ، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَحَدٌ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ نَوْمِهِ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا وَيَدُهُ نَظِيفَةٌ لَا نَجَاسَةَ فِيهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ وُضُوءَهُ (^٣).
الراجح: أن من استيقظ من نومه أو مس فرجه، فأدخل يده في وَضُوئِه فليس ذلك يضره، إلا أن يكون في يده نجاسة، وغَسل اليد بعد قيامه من نومه قبل أن يغمسها في الإناء على الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء.