أشرك بالله فليس بمحصن) (١)
وجه الاستدلال:
ووجه دلالة كل ذا الحديث واضحة فإنه ﷺ أخبر أن المشرك بالله تعالى ليس بمحصن والحد بالرجم لا يكون إلا على محصن فالإسلام إذا شرط للإحصان. فالمشرك إذا زنى لا يقام عليه الحد بالرجم على أي حال لأن إحصانه لا يتم إلا بالإسلام والله أعلم.
أجوبة المشترطين عن حديث رجم اليهوديين:
ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن المشترطين للإسلام في الإحصان اختلفت أجوبتهم عن هذا الحديث فذكر ثلاثة من أجوبتهم ثم تعقبها وذلك على ما يلي:
١- الجواب الأول: للمالكية وهو أن اليهود يومئذ ليسوا بأهل ذمة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في جوابهم عن هذا الحديث (٢):
(قال مالك رحمه الله تعالى، في غير الموطأ: لم يكن اليهود بأهل ذمة) .
تعقب هذا الجواب:
وتعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الجواب بأن اليهود كانوا أهل ذمة فقال (٣):
(والذي في صحيح البخاري، أنهم أهل ذمة، ولا شك أن هذا كان بعد العهد الذي وقع بين النبي ﷺ وبينهم ولم يكونوا إذ ذاك حربًا كيف ذلك، وقد تحاكموا إليه ورضوا بحكمه، وفي بعض طرق الحديث أنهم قالوا: اذهبوا بنا إلى
_________________
(١) انظر: المغني ١٠/١٢٩، وشرح فتح القدير ٥/٢٤، ونيل الأوطار ٧/٩٩.
(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧.
(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧
[ ١٢١ ]
هذا النبي ﷺ فإنه بعث بالتخفيف، وفي بعض طرقه: أنهم دعوه إلى بيت مدارسهم فأتاهم وحكم بينهم. فهم كانوا أهل عهد وصلح بلا شك) .
وهذا التعقب قال به طائفة من المحققين منهم النووي (١)، والطحاوي (٢) والقرطبي من المالكية (٣)، ولا شك أن مجيئهم إليه سائلين وهم آمنون يوجب أن يكون لهم عهد وذمة وقد قال الشوكاني (٤) في هذا الجواب (إنه من غرائب التعصبات) .
الجواب الثاني: للحنفية وهو أنه ﷺ رجم اليهوديين بحكم التوراة (٥) .
وفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٦):
(وقالت طائفة أخرى إنما رجمهما بحكم التوراة قالوا وسياق القصة صريح في ذلك) .
ومراده بسياق القصة الصريح هو ما جاء في بعض رواياته (٧) (فإني أحكم بما في التوراة) .
تعقب هذا الجواب:
تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الجواب بأن النبي ﷺ إنما حكم بينهم بالحق
_________________
(١) انظره بواسطة فتح الباري ١٢/١٧٠.
(٢) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٠ والطحاوي: هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر توفي سنة ٣٢١ هـ. (انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/١٩، ولسان الميزان ١/٢٧٤) .
(٣) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٠. والقرطبي: هو محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي اشتهر بتفسيره (الجامع لأحكام القرآن) توفي سنة ٦٧١ هـ. (انظر: الأعلام ٦/٢١٧- ٢١٨) .
(٤) انظر: نيل الأوطار ١/٩٩.
(٥) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام ٥/٢٤- ٢٥. والمغني مع الشرح الكبير ١٠/١٢٩.
(٦) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧.
(٧) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٧١
[ ١٢٢ ]
المحض وهو شريعتَه الواجب اتباعه فلا وجه لهذا التأويل فقال (١):
(وهذا مما لا يجدي عنهم شيئًا البتة فإنه حكم بينهم بالحق المحض فيجب اتباعه بكل حال فماذا بعد الحق إلا الضلال) .
وهذا معنى ما قاله الخطابي في تعقبه لهذا الجواب حيث يقول (٢):
(وهذا تأويل غير صحيح: لأن الله سبحانه يقول (٣) (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله) وإنما جاءه القوم مستفتين طمعًا في أن يرخص لهم في ترك الرجم ليعطلوا به حكم التوراة، فأشار عليهم رسول الله ﷺ بما كتموه من حكم التوراة، ثم حكم عليهم بحكم الإسلام على شرائطه لواجبة فيه.
وليس يخلو الأمر فما صنعه ﷺ من ذلك عن أن يكون موافقًا لحكم الإسلام
أو مخالفًا له.
فان كان مخالفًا فلا يجوز أن يحكم بالمنسوخ ويترك الناسخ.
وان كان موافقًا له فهو شريعته، والحكم الموافق لشريعته لا يجوز أن يكون مضافًا إلى غيره ولا يكون فيه تابعًا لمن سواه) .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر جواب الخطابي وأيده وذكر الجواب عما في رواية
أبي هريرة (فأني أحكم بما في التوراة) بأن في سند هذه الرواية رجل مبهم ثم قال الحافظ (٤):
(ومع ذلك فلو ثبت لكان معناه لإقامة الحجة عليهم) .
ولا شك أن قول الله تعالى (٥) (فاحكم بينهم بما أنزل الله) الآية دليل قطعي
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧.
(٢) انظر: معالم السنن ٦/ ٢٦٠- ٢٦١.
(٣) من الآية رقم ٤٩ سورة المائدة.
(٤) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٧١.
(٥) من الآية رقم ٤٨ سورة المائدة.
[ ١٢٣ ]