استدل الجمهور لمذهبهم بما يلي:
١- أن الذين رجمهم النبي ﷺ كماعز والغامدية واليهوديين: لم يأت في رواية أنه جلد واحدًا منهم. وإقامة الحد أمر يشتهر بين الناس فلو كان شيء من
ذلك لنقل إلينا كما نقل الرجم ولو في رواية واحد منهم فإن هذا مما توفر
الهمم والدواعي على نقله. فلما لم يكن شيء من ذلك علمنا أن النبي ﷺ لم
يجمع لأحد بين الجلد والرجم: فلا يجمع بينهما إذا والله أعلم (٣) .
ب- وهذا الظاهر مؤيد بقضاء عمر ﵁ في قضايا مختلفة: منها ما رواه البيهقي (٤) (أن عمر ابن الخطاب ﵁ أمر أبا واقد الليثي:
أن يرجم امرأة اعترفت بالزنى وهي ثيب ولم يأمره بجلدها) .
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة (٥) (أن عمر ابن الخطاب رجم رجلًا في
الزنى ولم يجلده) .
_________________
(١) هو: أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي ﵁ سيد القراء اختلف في عام وفاته اختلافًا كثيرًا فقيل سنة ٣٢ هـ وقيل غير ذلك (انظر: الإصابة ١/٣١- ٣٢ والتقريب ا/٤٨.
(٢) هو: مسروق بن الأجدع الهمداني ثقة عابد مات سنة ٥٦٣. (انظر: التقريب ٢/٢٤٢) .
(٣) انظر: المغني ١٠/ ١٢٥. بداية المجتهد ٢/٤٢٦. معالم السنن ٦/ ٢٤٢. سبل السلام ٤/٥. نيل الأوطار ٧/٩٦. فتح القدير ٥/٢٥.
(٤) انظر: سنن البيهقي ٨/٢١٥.
(٥) انظر: المصنف ٢/١/ ١٣٣
[ ١٣٠ ]
وجه الاستدلال:
أن عمر ﵁ رجم المحصن ولم يجلده. وهو ﵁ قد شاهد التنزيل وأدرك قضاء النبي ﷺ في الذين رجموا فيبعد أن ينفذ قضاء على خلاف قضاء النبي ﷺ.
٦- قالوا: وهذا القضاء ثم قضاء عمر ﵁: يوافق المعنى المراد من الحد وهو الزجر والردع. فالضرب مع الإتلاف والقتل بالرجم لا تأثير له فلا يكون لشرعيته إذا معنى. ولهذا فإن قاعدة الشريعة: أن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما عداه. وفي هذا يقول ابن رشد (١):
(إن الحد الأصغر ينطوي في الحد الأكبر، وذلك إنما وضع للزجر فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم) .
ويقول ابن قدامة في التعليل لمذهب الجمهور (٢):
(ولأنه حد فيه قتل يجتمع معه جلد كالردة لأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه فالحد أولى.