وقد اشتهر في لسان هذا العصر باسم (الفقه القارن) وكتبه باسم (كتب الفقه
المقارن) .
وهذا إطلاق سليم من حيث مدلوله اللغوي فإن المقارنة في اللغة جمع شيء إلى شيء فتقول قارنت بين الشيئين (١) .
لكنها في عرف الوقت الحاضر من مصطلحات (علم الحقوق الحديث) (٢)، يقصد بها مقارنة شريعة رب الأرض والسماء بقوانين البشر الموضوعة المختلقة المصنوعة (٣) .
فانتقل هذا الاصطلاح الحقوقي من المقارنة بين الشريعة والقانون إلى المقارنة بين أقوال فقهاء الإسلام. فأصبح هذا الاصطلاح من المشترك المعنوي وفي ضوء هذا يمكن لنا أن نقوم حكم نقل هذا الاصطلاح بهجر اسم (علم خلاف الفقهاء) واستبداله باسم (علم الفقه المقارن) .
فنقول: أن هذه بلوى وقع في شراكها كثير من أهل الإسلام حيث استبدلوا الكثير من مصطلحات العلوم الإسلامية. وامتحنوا المسلمين بأسماء جديدة تبعدهم عن تراثهم وتوحي بغرابة كتب أسلافهم على أفهامهم وعلومهم وثقافتهم.
وقد وقع من هذا الشيء الكثير وعمت البلوى بانتشاره وإدخاله في مؤلفات علماء الإسلام.
_________________
(١) جلد ١ ص/٣١٧. (انظر المدخل الفقهي العام ٢/٩٥٥ لمصطفى الزرقا ط مطبعة طربين بدمشق سنة ١٣٨٧ هـ) والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ٥١. ومفتاح السعادة لطاش كبري زادة ١/٣٠٦- ٣٠٨) .
(٢) انظر: مختار الصحاح للرازي ص/٥٣٢. ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/٧٦.
(٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا ٢/٩٥٥ حاشية.
(٤) انظر: في التنديد بخطورة المقارنة بين الأديان ص/٧٣- ٨٦ من كتاب أخطاء المنهج الغربي الوافد. لأنور الجندي. ط أولى سنة ١٩٧٤ م دار الكتاب اللبناني. بيروت.
[ ١٢ ]
كما في تسمية (أحكام النكاح وتوابعه) باسم (الأحوال الشخصية) (١) . وتسمية (وضع الجوائح) باسم (نظرية (٢) الظروف الطارئة) .
إلى غير ذلك من ألفاظ الاصطلاح الناشئة لدى الفرنجة تنقلها الأقلام المنهزمة
إلى علوم الإسلام وهي من الغرابة بمكان؟.
ومن المؤسف جدًا أن تأتي هذه المصطلحات في رسائل الشهادات العالية والشهادات العالمية من طالب يتلقى دروسه في معاهد الإسلام وفي ديار الإسلام ومنازله، وتحت إشراف أساتذة في علوم الإسلام.
ولا يعار لهذا انتباهًا بل يرى الكثير أن هذا من المرونة وسعة الأفق والاطلاع المدهش.
وأقول بكل ثبات إنها تسميات آثمة وخطط مأجورة ساقنا إليها دافع الغفلة والسبات العميق عما يراد بنا.
وإن من أخشى ما أخشاه أن تورث هذه المشابهة في الظاهر التفاتة في الباطن فتشتبك الروح بالهيكل، وتنفخ فيه روح أصله وحينئذ يقع المسلمون في الاحتكام إلى غير ما أنزل الله.
_________________
(١) انظر: في كشف هذه التسمية (محاضرة للشيخ عبد الله التركي) ألقيت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام ١٣٩٨ هـ بعنوان توجيهات الإسلام في نطاق الأسرة. وعندي أن الشيخ قد دفع آفة بأخرى فإن معنى الأسرة في اللغة: الجماعة القوية قال ابن مالك في ألفيته واختار عكسًا غيرهم ذا أسرة- وهو بفتح الهمزة أيضًا كما في حاشية الصبان على الأشموني (انظر: كتاب تقويم اللسانين للهلالي ص/٤٦- ٤٨ ط الأولى سنة ١٣٩٨ ط الرباط) .
(٢) ولفظ (نظرية) أيضًا خطأ صرف بالنسبة لأحكام الإسلام لأن كلمة نظرية تعني الفرض والتصور الدائر بين النفي والإثبات. وأحكام الإسلام حقائق ثابتة لا تقبل النفي فصارت تسمية خاطئة. انظر في بيانها ص/٧ من تعليقات مصطفى حلمي على كتاب: نظريات ابن تيمية في السياسة والاجتماع للمستشرق لاوست ط الأولى سنة ١٣٩٦ بمصر.
[ ١٣ ]
ونضرع إلى الله أن لا يقع هذا. فليتق الله أهل الإسلام في إسلامهم وفي أمتهم ولينشروا العلم في قالبه السليم في الشكل والمضمون والظاهر والباطن (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا) (١) .
وليحذر المسلمون الطاعة في بعض الأمر والملاحنة في القول فقد توعد الله الفعلة لذلك بقوله: (٢) (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكليف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) .