ومما تقدم يعلم أن الكلام في بسر لا ترد بمثله الرواية إذ أن من تكلم فيه لم يغمزه في صدقه ومدار الرواية على الصدق. وهو قد صرح بالسماع في هذا الحديث وفي غيره فدل تصريحه بالسماع على: صحبته وسماعه من رسول الله ﷺ.
ولهذا صحح الأئمة هذا الحديث:
فقال الذهبي: الحديث جيد لا يرد بمثل هذا. أحد: بمثل الكلام في بسر (١) . وظاهر صنيع ابن القيم تصحيحه لهذا الحديث كما تقدم.
وقال ابن حجر: إسناده قوي مصري (٣) .
ورمز السيوطي لصحته (٣) .
وقال الألباني: إسناده صحيح على ما قيل في ابن أبي أرطأة (٤) . فالحديث إذا سليم الدلالة رواية ودراية لصراحة لفظه وصحة إسناده والله أعلم.
٢- استدلاله بالمأثور عن الصحابة ﵃ في ذلك:
واستدل على اختياره تأخير الحد بأنه فتيا جماعة من الصحابة ﵃ وعلم منهم:
عمر ﵁، وأبو الدرداء ﵁، وحذيفة بن (٥) اليمان رضي
_________________
(١) انظر: فيض القدير للمناوي ٦/٤١٧.
(٢) انظر: الإصابة ١/١٥٢.
(٣) انظر: الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير ٦/٤١٦.
(٤) انظر: مشكاة المصابيح للتبريزي. بتعليق الألباني ٢/٢٩٩ ط المكتب الإسلامي بدمشق سنة ١٣٨١ هـ.
(٥) هو: حذيفة بن اليمان حسيل بن جابر العبسي من أجلة الصحابة ﵃ توفي سنة ٣٦ هـ. (انظر: الإصابة ١/٣١٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/١٢٥) .
[ ٥٢ ]
الله عنه، وبسر ابن أبي أرطاة ﵁. وساق أخبارهم في هذا. وبيانها كما يلي:
أ- أثر عمر ﵁:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١):
(روى سعيد بن منصور (٢) في سننه (٣) بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر ﵁ كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار) .
درجة هذا الأثر:
وهذا الأثر ضعيف بهذا الإسناد لأنه من رواية الأحوص بن حكيم ابن عمر العنسي الحمصي عابد وهو ضعيف من قبل حفظه (٤) .
وهو أيضًا يرويه عن والده وهو صدوق لكنه يهم (٥) .
والراوي له أيضًا عن الأحوص هو: إسماعيل بن عياش الحمصي المتوفى سنة ١٨٢ هـ. وهو مدلس وقد عنعن إلا أن المقرر لدى المحققين كابن القيم (٧)، وابن
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧.
(٢) هو: سعيد بن منصور الخراساني ثم المكي توفي سنة ٢٢٧ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٤١٦) .
(٣) انظر: سنن سعيد بن منصور جلد ٢ قسم ٣ ص/٢١٠ ط المجلس العلمي بالهند سنة ١٣٨٨ هـ.
(٤) انظر: التقريب لابن حجر ١/٤٩.
(٥) انظر: التقريب لابن حجر ١/١٩٤.
(٦) انظر: التقريب ١/٧٣.
(٧) انظر: الفروسية ص/٤٤.
[ ٥٣ ]
حجر (١): أن روايته عن الشاميين مقبولة ولو عنعن وهو هنا يرويه عن شامي مثله وهو الأحوص بن حكيم. بل هذا إسناد كله حمصي.
إذًا فضعف هذا الأثر بهذا الإسناد لضعف الأحوص. والأحوص قد توبع كما في (مصنف ابن أبي شيبة) (٢) و(السنن الكبرى) (٣) للبيهقي.
كما أن إسماعيل ابن عياش أيضًا قد توبع عند من ذكر. فصار مدار هذا الأثر على: حكيم بن عمير الحمصي. وتفرده لا يضر لأن منزلته الصدق، وقد تعددت مخارجه إليه وعدلت نقلته فظهر إذًا: أن هذا الأثر حسن الإسناد والله أعلم.
وجه الدلالة:
ودلالة هذا الأثر على تأخير الحد عن الغزاة نصية لنهيه ﵁ عن إقامة الحد على غاز إلا إذا قطع الدرب قافلًا إلى بلاد الإسلام مبينًا ﵁ علة النهي بقوله: لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار والله أعلم.
ب- أثر أبي الدرداء ﵁:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤):
(وعن أبي الدرداء مثل ذلك) .
_________________
(١) انظر: التقريب ١/٧٣.
(٢) انظر: سياق الأثر بواسطة: الجوهر النقي في الرد على البيهقي مع السنن الكبرى ٩/١٠٥ ط الهند سنة ١٣٥٦ هـ. وابن أبي شيبة: هو أبو بكر عبد الله بن محمد الكوفي المتوفى سنة ٢٣٥ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/١٨) .
(٣) انظر: ٩/١٠٥ ط الأولى بالهند سنة ١٣٥٤ هـ والبيهقي: هو الحافظ أبو بكر أحمد. بن الحسين ابن علي البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. (انظر: شذرات الذهب ٣/٣٠٤ والأعظم ١/١١٣) .
(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧.
[ ٥٤ ]
أي رواه سعيد بن منصور في (سننه) بنحو أثر عمر ﵁. والأمر كذلك وهذا لفظه (١):
(عن أبي الدرداء﵁: أنه كان ينهي أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز في سبيل الله حتى يقفل مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالكفار، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا فإن عقوبة الله من ورائهم) .
وقد رواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢) .
وهذا الأثر عند سعيد وابن أبي شيبة من رواية إسماعيل بن عياش عن أبي بكر ابن أبي مريم وقد عنعن إسماعيل وهو مدلس لكنه في روايته عن شامي فيقبل حديثه (٣) . فيبقى مدار السند على أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي المتوفى سنة ١٥٦ هـ. وهو ضعيف كما في (التقريب) (٤) .
فهذا الأثر إذًا ضعيف الإسناد لضعف الغساني المذكور، لكن هذا الأثر ليس هو العمدة وحده في الاستدلال بل سياقه من باب المتابعات والشواهد فيسلم الاستدلال به إذًا ودلالته نصية على تأخير الحد كأثر عمر سواء والله أعلم.
ج- أثر حذيفة ﵁:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥):
_________________
(١) انظر: سنن سعيد بن منصور جزء ٢ ص/٢١٠
(٢) انظر: بواسطة الجوهر النقي على سنن البيهقي ٩/١٠٥. وابن أبي شيبة: هو الإمام الحافظ صاحب المصنف: أبو بكر عبد الله بن محمد ابن إبراهيم ابن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/١٨ وتاريخ بغداد ١٠/٦٦) .
(٣) انظر: تقريب التهذيب ١/٧٣.
(٤) انظر ٢/٣٩٨.
(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧.
[ ٥٥ ]
(وقال علقمة (١): كنا في جيش في أرض الرّوم، ومعنا حذيفة بن اليمان ﵁، وعلينا الوليد بن عقبة (٣)، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم، وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم) .
درجة هذا الأثر:
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الأثر عريًا من التخريج، وقد خرجه أبو يوسف (٣)، وعبد الرزاق (٤) وسعيد ابن منصور (٥) . وابن أبي شيبة (٦) كلهم بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم (٧) .
وجه دلالته:
ووجه الاستدلال منه على تأخير الحد عن الغزاة ظاهر، فإن حذيفة لم يسقطه ولكن استنكر عليهم تعجيله وهم عند أرض العدو مخافة أن يطمع فيهم الأعداء، فهذا ينبئ عن أن العلة في استنكاره هي قربهم من العدو خشية طمعه فيهم فدل على أنه بعد العودة يعود الحكم بالحد لزوال علته وعليه فإن قول حذيفة ﵁ دالّ على التأخير لا غير والله أعلم.
_________________
(١) هو: علقمة بن قيس بن عبد الله الكوفي النخعي المتوفى فيما بعد الستين وقبل السبعين والمائة وهو من ثقاة الأئمة المشاهير (انظر: التهذيب ٧/٤٦٧، والتقريب ٢/٣١) .
(٢) هو: الوليد بن عقبة ابن أبي معيط القرشي الأموي ﵁ وهو أخو عثمان لأمه ﵄ عاش إلى خلافة معاوية ﵁ (انظر: التقريب ٢/٣٣٤، والإصابة ٣/٦٠١) .
(٣) انظر: الخراج ص/١٧٨٣ ط السلفية بمصر سنة ٣٨٢ هـ. وأبو يوسف: هو يعقوب ابن إبراهيم الأنصاري الكوفي المتوفى سنة ١٨٢ هـ. صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى (انظر: الأعلام ٩/ ٢٥٢) .
(٤) انظره: بواسطة الجوهر النقي على سنن البيهقي ٩/١٠٥.
(٥) انظر: سنن سعيد بن منصور جلد ٢ قسم ٣/ ص/٢١١.
(٦) انظره: بواسطة الجوهر النقي على سنن البيهقي ٩/١٠٥.
(٧) سنده عند الجميع: من حديث الأعمش عن إبراهيم بن يزيد النخعي عن ابن أخته علقمة بن قيس عن حذيفة ﵁.
[ ٥٦ ]
د- أثر بسر ابن أبي أرطاة ﵁:
وقد تقدمت فتواه بذلك في سياق حديثه عن النبي ﷺ في بعض رواياته والله أعلم.