قبل القدرة قاومت الجريمة مقاومة الدواء للداء (١) . وفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢): (فهذا لما جاء تائبًا بنفسه من غير أن يطلب غفر الله له- ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به ) . والله أعلم.
حديث المغيث (٣):
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤): (عن وائل (٥) ﵁ أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم مرّ عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاؤا به يقودونه إليها: فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به نبي الله ﷺ، فأخبرته أنه الذي وقع عليها وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب هو الذي وقع علي، فقال النبي ﷺ: انطلقوا به فارجموه. فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ: الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة فقال: أما أنت فقد غفر لك. وقال للذي أغاثها: قولًا حسنًا فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى فأبى رسول الله ﷺ فقال: لأنه قد تاب إلى الله) (٦) .
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ٢١.
(٢) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٧٩.
(٣) اشتهر هذا الحديث باسم حديث المغيث: وهو الرجل الذي أغاث المرأة.
(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٩- ٢٠.
(٥) هو: وائل بن حجر ابن ربيعة الحضرمي ﵁ مات في ولاية معاوية ﵁ (انظر: الإصابة ٣/ ٥٩٢، والتقريب ٢/ ٣٢٨) .
(٦) الحديث رواه الترمذي ٤/ ٥٥ وابن ماجة ٢/٨٦٦. وانظر: ذخائر المواريث ٣/١٢٦
[ ٨٠ ]
وجه الاستدلال:
هو أن النبي ﷺ أسقط الحد المعترف بالزنى قبل القدرة إذ قد تاب إلى الله تعالى قبل القدرة عليه كما قال ﷺ: (لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل
منهم (١) فالحسنة: وهي اعترافه [طوعا] (*) إلى الله قبل القدرة عليه- دافعت السيئة وهي (الزنى) فدل ذلك على سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة. وفي بيان وجه الاستدلال يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):
(سقوط الحد عن المعترف- يعني في هذا الحديث- إذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر ﵁ فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء ولكن اتسع له نطاق الرؤوف الرحيم فقال (إنه قد تاب إلى الله) . وأبى أن يحده. ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا واختيارًا خشية من الله وحده وإنقاذًا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها، فقاوم هذا الدواء ذاك الداء، وكانت القوة الصالحة، فزال المرض، وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدك، وإنما جعلناه طهرة ودواء، فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك، فأي حكم أحسن من هذا الحكم وأشد مطابقة للمرحلة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق) .