موقف ابن القيم من هذا الاصطلاح:
رأينا أن الفقهاء يقصرون في اصطلاحهم لفظ " الحد " على العقوبة المقدرة في الشرع لحقّ الله تعالى.
لكنا نرى ابن القيم رحمه الله تعالى لا يرتضى القصر في هذا الاصطلاح الفقهي فيقدر أن هذا اصطلاح حادث وأنه في لسان الشرع أعم وأشمل فيعم العقوبة مقدرة أو غير مقدرة كما يشمل نفس الجناية أيضًا كلّ هذا في نظره يسمى (حدًا) على لسان الشارع.
وأوضح هذا المعنى في كتابه (الأعلام) في معرض ردّه على من فهم من قوله ﷺ (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى) (١) - أن الحدود هنا يراد بها ما ترتب عليه عقوبات مقدرة فقال (٢): (الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود: عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة. والحد في لسان الشارع أعم من ذلك. فإنه يراد به هذه العقوبة تارة. ويراد به نفس الجناية تارة كقوله تعالى (٣) (تلك حدود الله فلا تقربوها) وقوله تعالى (٤) (تلك حدود الله فلا تعتدوها) . ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة.
فقوله ﷺ (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود
_________________
(١) الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي بردة ﵁ بلفظ (لا يجلد فوق الحديث) انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٢/١٧٥. وصحيح مسلم ٥/١٢٦. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ١٥٨/٧. وسبل السّلام للصنعاني ٤/٣٧ طبع المكتبة التجارية بمصر.
(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/٢٩.
(٣) الآية: رقم ١٨٧ سورة البقرة.
(٤) الآية: رقم ٢٢٩ سورة البقرة.
[ ٢٤ ]
الله) . يريد به الجناية التي هي حق الله) .
وإن هذا الموقف من ابن القيم رحمه الله تعالى هو من فقه الكتاب والسنة فهذا العموم للفظ (الحد) في لسان الشارع تؤيده النصوص التي ساقها رحمه الله تعالى. وقصر (الحد) على العقوبة المقدرة للجنايات يحتاج إلى دليل يفيد القصر. وبعد التحري لم أر دليلًا على هذا القصر. وإنما هو محض اصطلاح دعاهم إليه- والله أعم- أن تتميز العقوبات المقدرة عن غيرها لأهميتها وتميزها بأحكام خاصة بها. تقريبًا للأذهان، وتيسيرًا على الطالبين ولا مشاحة في الاصطلاح.
وهذا ما يقرره ابن القيم في موضع آخر إذ يقول (١): (والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة) .
فابن القيم لا ينفي هذا الاصطلاح الفقهي في تعريف (الحد) ولكن يعارض بكل شدّة أن يقضي بالاصطلاحات الحادثة على نصوص الشرع، فتفسر بها، وتقصر معانيها عليها ولاشك أن هذا من الغلط البيّن على نصوص الكتاب والسنة. ومن هذا الغلط غلط من فسر لفظ (حدود الله) في الحديث المذكور بمعنى (ذات العقوبة المقدرة) فهذا قضاء على عموم معنى النص باصطلاح حادث. وإنما معناه ما حرم لحق الله فإن (حدود الله) هي (حقوق الله) وهذا يشمل ويعم المقدر وغيره.
وابن القيم في تقرير هذا المعنى له سلف من أهل العلم منهم شيخه أبو العباس ابن تيمية في طائفة من أهل العم، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢):
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين ٣/٣٠٦.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨/٣٤٧ - ٣٤٨ الطبعة الأولى سنة ٣٨٣ هـ. بمطابع الرياض جمع العلامة عبد الرحمن بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي.
[ ٢٥ ]
(والحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) قد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود الله، ما حرم لحق الله فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام مثال: آخر الحلال وأول الحرام.
فيقال في الأول (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (١) .
ويقال في الثاني (تلك حدود الله فلا تقربوها) (٢) .
وأما تسمية العقوبة المقدرة حدًا فهو عرف حادث. ومعنى الحديث: أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات) . وهذه الإفادة عن ابن القيم التي قذف بها موج بحره الزخار تكسبنا إنارة في تقويم المفهوم عن الله وعن رسوله ﷺ ومعرفة لحدود لكلام الله وكلام رسوله ﷺ. ولا يفوتني في هذا المقام أن أشير إلى أن ابن القيم له مبحث نفيس في هذه القاعدة وهي معرفة حدود كلام الله ورسوله ﷺ في أعلام الموقعين (٣) والله أعلم.
_________________
(١) الآية رقم ٢٢٩ سورة البقرة. ٢) الآية رقم ١٨٧ سورة البقرة. ٣) انظر: أعلام الموقعين ١/٢٦٦- ٢٦٨. وأيضًا أعلام الموقعين ٢/١٥٤.
[ ٢٦ ]
مَبَاحث الحدود العَامة عَندَ ابن القيم رحمه الله تعَالى
حصل بالتتبع أن مباحثه في ذلك على ما يلي:
المبحث الأول: في آثار المعاصي شرعًا وقدرًا.
المبحث الثاني: في حكم إقامة الحد بدار الحرب.
المبحث الثالث: في تأخير الحد لعارض.
المبحث الرابع: في إقامة الحد بالقرينة الظاهرة.
المبحث الخامس: في أثر التوبة في الحدود.
وإلى بيانها على هذا النسق والترتيب.
[ ٢٧ ]