وفي بيانه يقول رحمه الله تعالى (١):
(ولأن وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنى أظهر من دلالة البينة، وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر) .
أي فيكون الحكم بالحبل أولى من الحكم بالبينة وهي الشهادة.
وهذا من باب قياس الأولى وهو قياس مستوف لأركانه وشرائطه:
فقد ذكر المقيس: وهو القرينة الظاهرة: الحبل.
وذكر المقيس عليه: وهو البينة: الشهادة.
والعلة الجامعة: هي الدلالة على الزنى في كلّ منهما.
والحكم: وهو إقامة حد الزنى.
هذا هو اختيار ابن القيم وهذا أدلته التي استدل بها له. فإلى القول الآخر في المسألة مع بيان وجهته وموقفه من أدلة هذا الرأي.
القول الثاني: وهو عدم إقامة الحد بالحبل فلا يثبت الزنى إلا ببينة أو اعتراف فإذا أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد. وسئلت فادعت إكراهًا أو أنها ذات زوج أو نحو ذلك من وجوه الدفع، لم تحد بمجرد الحبل ولو لم تأت ببينة على ذلك. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والمعتمد في مذهب الحنابلة (٢)
أدلتهم:
استدلوا بمقتضى قاعدة الشريعة المطردة وجملة من أقضية الصحابة ﵃ في ذلك وبيانها على ما يلي:
_________________
(١) انظر: تهذيب سنن أبي داود ٣/٦٣.
(٢) انظر: المغني ١٠/١٩٢. وبداية المجتهد ٢/٤٣١، سبل السلام ٢/٨
[ ١٥٣ ]
الأول: أن قاعدة الشريعة المطردة درء الحد بالشبهة بالإجماع. والشبهة هنا
متحققة من وجوه متعددة (١):
فيحتمل أنه من وطء إكراه والمستكرهة لا حد عليها.
ويحتمل أنه من وطء رجل واقعها في نومها وهي ثقيلة النوم.
ويحتمل أنه من وطء شبهة.
ويحتمل أنه حصل الحبل بإدخال ماء الرجل في فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها.
فإذا كان الحد يدرء بالشبهة. والشبهة هنا واردة: صار وجود الحبل قرينة ضعيفة لا تقوى على إيجاب الحد، فلزم الدرء والله أعلم.
الثاني: أقضية الصحابة ﵃ في درء الحد عمن وجدت حبلى ولا زوج لها ولا سيد وقد ادعت الاستكراه ونحوه. منها ما يلي:
١- قصة شراحة ﵂:
روى عبد الرزاق في (مصنفه) (٢) أن عليًا أتى بامرأة من همدان وهي حبلى يقال لها: شراحة. قد زنت، فقال لها علي ﵁:
لعل الرجل استكرهك، قالت: لا.
قال: فلعل الرجل قد وقع عليك وأنت راقدة، قالت: لا.
قال: فلعل لك زوجًا من عدونا هؤلاء وأنت تكتمينه، قالت: لا.
فحبسها حتى إذا وضعت، جلدها يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة فأمر فحفر لها حفرة بالسوق، فدار الناس عليها، أو قال بها: فضربهم بالدرة. ثم
_________________
(١) انظر: المغني ١٠/١٩٣- ١٩٤. وبداية المجتهد ٢/٤٣١، سبل السلام ٢/٨.
(٢) انظر: ٧/٣٢٦ ط الأولى سنة ٣٩٢ هـ. نشر المكتب الإسلامي ببيروت.
[ ١٥٤ ]
قال: ليس هكذا الرجم. إنكم إن تفعلوا هذا يفتك بعضكم بعضًا، ولكن صفوا كصفوفكم للصلاة، ثم قال: يا أيها الناس، أن أول الناس يرجم الزاني: الإمام إذا كان الاعتراف، وإذا شهد أربعة شهداء على الزنى: أول الناس يرجم: الشهود بشهادتهم عليه، ثم الإمام، ثم الناس.
ثم رماها بحجر وكبر، ثم أمر الصف الأول فقال: ارموا، ثم قال: انصرفوا وكذلك صفًا صفًا حتى قتلوها) .
ورواه البيهقي (١) . وأحمد (٢) . والحاكم (٣)، والنسائي (٤)، وأصله مختصرًا في صحيح البخاري (٥) .
والحديث بطوله صحيح الإسناد كما حرره الحافظ بن حجر (٦) .
وجه الاستدلال:
هو أن هذا الأثر نص في محل النزاع: فإن شراحة اليمانية اعترفت بالزنى وهي حبلى فسألها علي ﵁ عن موارد الشبه فنفت تلك الواردات وأصرت على اعترافها. فرجمها علي ﵁. فصار موجب الرجم الاعتراف لا الحبل، ولهذا فإن عليًا ﵁- وهو الإمام- صار أول من رجم لأن الحد إذا وجب بالاعتراف صار الإمام أول من يرجم كما ذكره علي ﵁.
ب- قصة المرأة المتعبدة.
روى عبد الرزاق في (مصنفه) (٧) (أنه بلغ عمر ﵁ أن امرأة
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى ٨/ ٢٢٠.
(٢) انظره بواسطة تلخيص الحبير ٤/٥٢.
(٣) انظر: المستدرك ٤/ ٣٦٤.
(٤) انظره بواسطة تلخيص الحبير ٤/٥٢.
(٥) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/١١٧.
(٦) انظر: فتح الباري ١٢/١١٩. وتلخيص الحبير ٤/٥٢.
(٧) انظر: ٧/٤٠٩. وانظر أيضًا: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي ٥/٤١٢ ط الأولى سنة ٣٩٠ هـ. بمطبعة البلاغة في حلب.
[ ١٥٥ ]